باب ما عطب من هدي التطوع قبل محله
) باب ما عطب من هدي التطوع قبل محله 1325 [1179] عن ابن عباس قال : بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِسِتَّ عَشْرَةَ بَدَنَةً مَعَ رَجُلٍ وَأَمَّرَهُ فِيهَا ، قَالَ: مَضَى، ثُمَّ رَجَعَ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيْفَ أَصْنَعُ بِمَا أُبْدِعَ عَلَيَّ فيْهَا؟ قَالَ: انْحَرْهَا، ثُمَّ اصْبُغْ نَعْلَيْهَا فِي دَمِهَا، ثُمَّ اجْعَلْهُ فِي صَفْحَتِهَا، وَلَا تَأْكُلْ مِنْهَا أَنْتَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ رُفْقَتِكَ . وَفِي رِوَايَةٍ : بَعَثَ بِثَمِانِي عَشْرَةَ بَدَنَةَ . ( 45 ) ومن باب: ما عطب من هدي التطوع قبل محله قوله : ( كيف أصنع بما أُبْدِع عليَّ منها ) ؛ أي : بما كل منها ، وعَيي ، فوقــف .
وقد يقال : على ما عطب منها . قال الهروي : يقال للرجل إذا كلَّت ركابه ، أو عطبت وبقي منقطعًا به : أُبْدِع به . وهو مبني لما لم يسم فاعله .
وفي الأم قال : وانطلق سنان معه ببدنة يسوقها فأزحفت عليه ، فعيي بشأنها إن هي أبدعت . الرواية : ( أزحفت ) رباعيًّا ، مفتوح الحاء . قال الخطابي : كذا يقوله المحدِّثون .
والأجود : ( فأُزحفت ) بضم الألف ، يقال : زحف البعير : إذا قام من الإعياء ، وأزحفه المسير . وقال أبو عبيد الهروي : أزحف البعير ، فأزحفه السير . و( إن ) تُروى بكسر الهمزة على الشرط ، وبفتحها : على أنها معمولة لحرف جر حُذِف ، فتعدَّى الفعل إليها الذي هو : عيَّ ، : وعَيِيَ - مشددًا ومُفككًا ، وهما لغتان معروفتان ، وعليهما قرئ : مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وفي الأم : لأستحفين عن ذلك ؛ أي : لأكثرنَّ السؤال عنه .
يقال : أحفى في المسألة ، وألَحَّ ، وألحف : إذا بالغ فيها . ومنه قوله تعالى : كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا ؛ أي : كأنه كثر سؤاله عنها حتى أخبر عنها ، ومنه قول الأعشى : فَإنْ تسألي عَنَّا فَيَا رُبَّ سائلٍ حفيٍ عَنِ الأَعْشَى به حيث أَصْعَدا وقوله : ( ثم اصبُغ نعليها في دمها ، ثم اجعلها على صفحتها ) ؛ يعني : النَّعل الَّذِي قلَّدها به يجعله على صفحة عنقها ، وإنما أمره بذلك ليكون ذلك علامة على أنه هديٌ ، فيمتنع منه كل من لا يحل له أكله على ما يأتي . وقوله : ( ولا تأكل منها أنت ولا أحد من رفقتك ) ؛ يعني برفقته : المرافقين له في سوق الهدي ومن يتعلَّق به .
وإنما منعه النبي - صلى الله عليه وسلم - ورفاقته من أكلها سدًّا للذريعة ؛ لأنه لو لم يمنعهم من ذلك لأمكن أن يبادروا إلى نحرها ، أو يتسبَّبوا إلى ذلك ليأكلوها ، فلما منعهم من المحذور المتوقع انسدَّ ذلك الباب . وهذا وأشباهه من المواضع الواقعة في الشريعة حمل مالكًا على القول بسدِّ الذريعة . وهو أصل عظيم لم يظفز به إلا مالك بدَّقة نظره ، وجودة قريحته .
وبظاهر هذا النهي قال ابن عباس ، واختاره ابن المنذر فقالا : لا يأكل منها سائقها ، ولا أحد من أهل رفقته . وقال مالك والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور ، وأصحاب الرأي ، ومن تبعهم : لا يأكل منها سائقها شيئًا ، ويخلي بينها وبين الناس يأكلونها . وروي عن ابن عمر : أنه كان يرى الأكل منها .
وعلى قول المانعين : فإن أكل منها ضَمِنها عند مالك وغيره . وكونه - صلى الله عليه وسلم - لم يُلزم صاحب الهدي المعطوب بدلاً ؛ دليلٌ للجمهور على أنه لا بدل عليه في هدي التطوُّع ؛ إذ لو كان لبيَّنه له ؛ لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة . فأما الواجب منه : فعليه بدله ؛ لأنه مُتعلِّق بذمته ، وله الأكل منه ، والإطعام للأغنياء وغيرهم عند جمهور العلماء غير مالك .
واختلفوا : هل له بيعه ؟ فمنعه مالك ، وأجازه الآخرون ، وعبد الملك . وأمَّا إذا بلغ الهدي محله ، فاختلف العلماء فيما يأكل منه صاحبه . فمشهور مذهب مالك : أنه لا يأكل من ثلاثة: من جزاء الصيد ، ونذر المساكين ، وفدية الأذى ، ويأكل مما سوى ذلك إذا بلغ محله - واجبًا كان أو تطوُّعًا - ووافقه على ذلك جماعة من السلف وفقهاء الأمصار .
ثم إذا أكل مما منع منه ؛ فهل يغرم قدر ما أكل منه ؟ أو يغرم هديًا كاملاً ؟ قولان في مذهبنا . وقال الشافعي ، وأبو ثور : ما كان أصله واجبًا ؛ فلا يأكل منه . وما كان تطوُّعًا ، ونُسكًا أكل منه ، وأهدى ، وادَّخر ، وتصدَّق .
والمتعة والقِران عنده نسك . ونحوه مذهب الأوزاعي . وقال أبو حنيفة ، وأصحاب الرأي : يأكل من هدي المتعة ، والتطوُّع ، ولا يأكل مما سوى ذلك .
وحكي عن مالك : أنه لا يأكل من دم الفساد . وعلى قياس هذا : لا يأكل من دم الجبر ، كقول الشافعي والأوزاعي .