باب تحريم المدينة وصيدها وشجرها والدعاء لها
[1220] وعن عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْ الْمَدِينَةِ أَنْ يُقْطَعَ عِضَاهُهَا أَوْ يُقْتَلَ صَيْدُهَا . وَقَالَ: الْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ، لَا يَدَعُهَا أَحَدٌ رَغْبَةً عَنْهَا إِلَّا أَبْدَلَ اللَّهُ فِيهَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ ، وَلَا يَثْبُتُ أَحَدٌ عَلَى لَأْوَائِهَا وَجَهْدِهَا إِلَّا كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا أَوْ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ . وَفِي رِوَايَةٍ : وَلَا يُرِيدُ أَحَدٌ أَهْلَ الْمَدِينَةِ بِسُوءٍ إِلَّا أَذَابَهُ اللَّهُ فِي النَّارِ ذَوْبَ الرَّصَاصِ أَوْ ذَوْبَ الْمِلْحِ فِي الْمَاءِ .
وقوله إني أحرِّم ما بين لابتي المدينة أن يُقطع عضاهها ، أو يُقتل صيدها ، اللابة : الأرض ذات الحجارة ، وهي الحرَّة ، وجمعها في القلة : لاباتٌ ، وفي الكثرة : لابٌ ، ولوبٌ . كـ ( قارة ) و ( قور ) و ( ساحة ) و ( سوح ) و ( باحة ) و ( بوح ) ، قاله ابن الأنباري . اللابتان : الحرتان الشرقية والغربية ، وللمدينة لابتان في القبلة والجرف ، وترجع إليهما الشرقية والغربية ، قال الهروي : يقال : ما بين لابتيها أجهل من فلان ؛ أي : ما بين طرفيها - يعني المدينة .
وهذا الحديث نصٌّ في تحريم صيد المدينة وقطع شجرها ، وهو حجة للجمهور على أبي حنيفة وأصحابه في إباحة ذلك ، وإنكارهم على من قال بتحريم المدينة بناء منهم على أصلهم في ردِّهم أخبار الآحاد فيما تعم به البلوى ، وقد تكلَّمنا معهم في هذا الأصل في باب أحداث الوضوء ، ولو سلم لهم ذلك جدلاً فتحريم المدينة قد انتشر عند أهل المدينة والمحدِّثين وناقلي الأخبار حتى صار ذلك معلومًا عندهم بحيث لا يشكون فيه ، والذي قصَّر بأبي حنيفة وأصحابه في ذلك قلَّة اشتغالهم بالحديث ونقل الأخبار ، وإلا فما الفرق بين الأحاديث الشاهدة بتحريم مكة وبين الشاهدة بتحريم المدينة في الشهرة ، ولو بحثوا عنها وأمعنوا فيه حصل لهم منها مثل الحاصل لهم من أحاديث مكة . والجمهور على أن صيدها لا جزاء فيه ؛ لعدم النص في ذلك ، ولم يتحققوا جامعًا بين الصَّيدين فلم يُلحقوه به ، وقد قال بوجوب الجزاء فيه ابن أبي ذئب وابن أبي ليلى وابن نافع من أصحابنا ، واختلف قول الشافعي في ذلك . فأما الشجر : فيحرم قطعه منها أيضًا ، وهو محمول على مثل ما حمل عليه شجر مكة ، وهو ما لم يُعالج إنباتَه الآدمي ، ويدل على صحة ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قطع نخل المسجد ، وقد ذكر ابن نافع عن مالك أنه قال : إنما نهي عن قطع شجر المدينة لئلا تتوحش وليبقى فيها شجرها ؛ ليستأنس ويستظل به مَن هاجر إليها .
قلت : وعلى هذا فلا يُقطع منها نخل ولا غيره ، وحينئذ تزول خصوصية ذكر العضاه وهو شجر البادية الذي ينبت لا بصنع آدمي ، والأول أولى ، والله تعالى أعلم . وقوله والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون ؛ يعني : للمرتحلين عنها إلى غيرها ، ويفسِّر هذا حديث سفيان بن زهير الآتي بعد هذا إن شاء الله تعالى . وقوله لا يدعها أحد رغبة عنها إلا أبدل فيها من هو خير منه .
إلى آخر الحديث ، رغبة عنها أي كراهية لها ، يقال : رغبت في الشيء - أحببته ، ورغبت عنه : كرهته . وفي معنى هذا الحديث قولان ؛ أحدهما: أن ذلك مخصوص بمدة حياته . والثاني : أنه دائم أبدًا .
ويشهد له قوله في حديث آخر يأتي على الناس زمان يدعو الرجل ابن عمه وقريبه هلم إلى الرخاء ! والمدينة خير لهم ، وذكر ما تقدَّم . وقوله لا يثبت أحدٌ على لأوائها وشدَّتها ، اللأواء - ممدود : هو الجوع وشدَّة الكسب فيها والمشقات . ويحتمل أن يعود الضمير في شدَّتها على اللأواء فإنها مؤنثة ، وعلى المدينة ، والأول أقرب .
وقوله إلا كنت له شفيعًا أو شهيدًا ، زعم قوم أن أو هنا شكٌّ من بعض الرواة وليس بصحيح ، فإنه قد رواه جماعة من الصحابة ومِن الرواة كذلك على لفظ واحد ، ولو كان شكًّا لاستحال أن يتفق الكل عليه ، وإنما أو هنا للتقسيم والتنويع ، كما قال الشاعر : فقالوا لنا ثِنْتانِ لا بُدَّ مِنْهُما صدور رِماح أُشْرِعت أو سَلاسِلُ ويكون المعنى : إن الصابر على شدة المدينة صنفان ؛ من يشفع له النبي - صلى الله عليه وسلم - من العصاة ، ومن يشهد له بما نال فيها من الشدَّة ليوفَّى أجره . وشفاعته - صلى الله عليه وسلم - وإن كانت عامة للعصاة من أمته إلا أن العصاة من أهل المدينة لهم زيادة خصوص منها ، وذلك - والله تعالى أعلم - بأن يشفع لهم قبل أن يعذبوا بخلاف غيرهم ، أو يشفع في ترفيع درجاتهم أو في السَّبق إلى الجنة ، أو فيما شاء الله من ذلك . وقوله ولا يريد أحد أهل المدينة بسوء إلا أذابه الله في النار ، ظاهر هذا أن الله يعاقبه بذلك في النار ، ويحتمل أن يكون ذلك كناية عن إهلاكه في الدُّنيا أو عن توهين أمره وطمس كلمته كما قد فعل الله ذلك بمن غزاها وقاتل أهلها فيمن تقدَّم ؛ كمسلم بن عقبة إذ أهلكه الله منصرفه عنها ، وكإهلاك يزيد بن معاوية إثر إغزائه أهل المدينة ، إلى غير ذلك .