باب إثم من أراد أهل المدينة بسوء والترغيب فيها عند فتح الأمصار
499 [1242] وعن أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: يَتْرُكُونَ الْمَدِينَةَ عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ لَا يَغْشَاهَا إِلَّا الْعَوَافِي -يُرِيدُ عَوَافِيَ السِّبَاعِ وَالطَّيْرِ- ثُمَّ يَخْرُجُ رَاعِيَانِ مِنْ مُزَيْنَةَ يُرِيدَانِ الْمَدِينَةَ يَنْعِقَانِ بِغَنَمِهِمَا فَيَجِدَانِهَا وَحْشًا ، حَتَّى إِذَا بَلَغَا ثَنِيَّةَ الْوَدَاعِ خَرَّا عَلَى وُجُوهِهِمَا . وقوله تتركون المدينة على خير ما كانت ، تتركون بتاء الخطاب ، ومراده غير المخاطبين ، لكن فرعهم من أهل المدينة أو نسلهم ، و على خير ما كانت أي على أحسن حال كانت عليه فيما قبل ، وقد وجد هذا الذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم ، وذلك أنها صارت بعده - صلى الله عليه وسلم - معدن الخلافة وموضعها ومقصد الناس وملجأهم ومعقلهم ، حتى تنافس الناس فيها وتوسعوا في خططها ، وغرسوا وسكنوا منها ما لم يسكن من قبل ، وبنوا فيها ، وشيَّدوا حتى بلغت المساكن إهاب ، كما سيأتي في حديث أبي هريرة الآتي إن شاء الله تعالى ، وجُلبت إليها خيرات الأرض كلها ، فلما انتهت حالها كمالاً وحسنًا انتقلت عنها الخلافة إلى الشام فغلبت عليها الأعراب وتعاورتها الفتن ، فخاف أهلها فارتحلوا عنها . وذكر الأخباريون أنها خَلَت من أهلها وبقيت ثمارها للعوافي الطير والسباع ، كما قال صلى الله عليه وسلم ، ثم تراجع الناس إليها ، وفي حال خلائها غَذَت الكلاب على سواري المسجد .
وعوافي الطير : هي الطالبة لما تأكل . يقال : عضوته ، أعضوه - إذا طلبت معروفه . وغَذَّى الكلب يُغَذِّي : إذا بال دفعة بعد دفعة .
وقوله ثم يخرج راعيان من مزينة ينعقان بغنمهما ؛ أي : يصيحان بها ليسوقاها . والنعاق : صوت السائق للغنم . ومنه قوله تعالى : كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ وقوله فيجدانها وحشًا ؛ أي خلاء ، يقال : أرض وحش - أي خالية ، ومشى وحشًا ؛ أي : وحده .
قاله الحربي . ويحتمل أن يكون معناه : كثيرة الوحش ؛ كما قال في البخاري فيجدانها وحوشًا ، أي : يجدان المدينة كثيرة الوحوش لما خلت من سكانها ، كما قال للعوافي . والوحش : كل ما توحش من الحيوان ، وجمعه : وحوش .
والضمير في يجدانها على هذا راجع للمدينة ، وقيل : إنه عائدٌ على الغنم ؛ أي : صارت هي وحوشًا ، إما بأن تنقلب كذلك - والقدرة صالحة - وإما بأن تتوحش فتنفر من أصوات الرُّعاة . و خرَّا على وجوههما ؛ أي : سقطا ميتين . وهذا الذي ذكره النبي - صلى الله عليه وسلم - من حديث الرَّاعيين إنما يكون في آخر الأمر عند انقراض الدنيا ، بدليل ما قال البخاري في هذا الحديث آخر من يحشر راعيان من مزينة ، قيل : معناه آخر من يموت بها فيُحشر ؛ لأن الحشر بعد الموت .
ويحتمل أن يتأخر حشرهما لتأخير موتهما . قلت : ويحتمل أن يكون معناه آخر من يحشر إلى المدينة ؛ أي : يساق إليها - كما في لفظ كتاب مسلم .