باب فضل مسجد رسول الله والمسجد الحرام وما تشد الرحال إليه والمسجد الذي أسس على التقوى وإتيان قباء
[1249] وعنُ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي بَيْتِ بَعْضِ نِسَائِهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيُّ الْمَسْجِدَيْنِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى؟ قَالَ: فَأَخَذَ كَفًّا مِنْ حَصْبَاءَ فَضَرَبَ بِهِ الْأَرْضَ، ثُمَّ قَالَ: هُوَ مَسْجِدُكُمْ هَذَا - لِمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ . وقوله - وقد سُئل عن أي المسجدين الذي أسس على التقوى هو مسجدكم هذا - لمسجد المدينة يردّ قول ابن عباس إذ قال : إنَّه مسجد قباء . قال : لأنه أول مسجد بُني في الإسلام .
وهذا السؤال صدر مِمَّن ظهرت له المساواة بين مسجدين معينين لهما مزية على غيرهما من المساجد بحيث يصلح أن يقال على كل واحدٍ منهما أسس على التقوى ، وذلك أنه رأى مسجد قباء أول مسجد بناه النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ، وذلك أنه لما هاجر - صلى الله عليه وسلم- نزل على بني عمرو بن عوف في قباء يوم الاثنين فأقام فيهم أيامًا وأسس فيها مسجد قباء ، ثم إنه ارتحل عنهم يوم الجمعة إلى بني سالم بن عوف فصلَّى عندهم الجمعة ، وهي أول جمعة جمعت في الإسلام ، ثم إنه دخل المدينة فنزل على بني مالك بن النجار على أبي أيوب فأسس مسجده بالمربد الذي كان للغلامين اليتيمين ، فاشتراه من الناظر لهم على ما تقدَّم في كتاب الصلاة ، فلما تساوى المسجدان المذكوران في بناء النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه لهما صار كل واحدٍ من المسجدين مؤسسًا على التقوى ، فلما قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ أشكل التعيين ، فسئل عن ذلك ، فأجاب بأنه مسجد المدينة . فإن قيل : إذا كان كل واحد منهما أسس على التقوى ، فما المزية التي أوجبت تعيين مسجد المدينة ؟ قلنا : يمكن أن يقال إن بناء مسجد قباء لم يكن بأمرٍ جزم من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ، بل ندب إليه ، أو كان رأيًا رآه ، بخلاف مسجد المدينة فإنه أمر بذلك وجزم عليه ، فأشبه امتثالَ الواجب ، فكان بذلك الاسم أحق . أو حصل له - صلى الله عليه وسلم - ولأصحابه رضي الله عنهم من الأحوال القلبية عند بنائه ما لم يحصل لهم عند غيره فكان أحق بذلك ، والله أعلم .
ويلزم من تعيين النبي - صلى الله عليه وسلم - مسجده لأن يكون هو المراد بقوله تعالى : لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ أن يكون الضمير في فِيهِ رِجَالٌ عائد على المسجد الذي أسس على التقوى ؛ لأنه لم يتقدمه ظاهر غيره يعود عليه ، وليس الأمر كذلك ، بدليل ما رواه أبو داود من طريق صحيحة عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : نزلت هذه الآية فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ في أهل قباء ؛ لأنهم كانوا يستنجون بالماء ، فعلى هذا يكون الضمير في فِيهِ رِجَالٌ غير عائد على المسجد المذكور قبله ، بل على مسجد قباء الذي دلت عليه الحال والمشاهدة عندهم ، وأما عندنا فلولا هذا الحديث لحملناه على الأول . وعلى هذا يتعين على القارئ أن يقف على فِيهِ من قوله : أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ ويبتدئ : فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا ؛ ليحصل به التنبيه على ما ذكرناه ، والله تعالى أعلم .