حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم

باب صلح الحديبية وقوله تعالى إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا

) باب صلح الحديبية وقوله تعالى : ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا 1783 - 92 [1300] عَنْ الْبَرَاءِ قَالَ: لَمَّا أُحْصِرَ - يعني : النَّبِيُّ-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عِنْدَ الْبَيْتِ، صَالَحَهُ أَهْلُ مَكَّةَ عَلَى أَنْ يَدْخُلَهَا فَيُقِيمَ بِهَا ثَلَاثًا، وَلَا يَدْخُلَهَا إِلَّا بِجُلُبَّانِ السِّلَاحِ : السَّيْفِ وَقِرَابِهِ، وَلَا يَخْرُجَ بِأَحَدٍ مَعَهُ مِنْ أَهْلِهَا، وَلَا يَمْنَعَ أَحَدًا يَمْكُثُ بِهَا مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ، قَالَ لِعَلِيٍّ: اكْتُبْ الشَّرْطَ بَيْنَنَا: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ . فَقَالَ لَهُ الْمُشْرِكُونَ: لَوْ نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ تَابَعْنَاكَ، - وفي رواية : بايعناك - وَلَكِنْ اكْتُبْ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ . فَأَمَرَ عَلِيًّا أَنْ يَمْحَاهَا، فَقَالَ عَلِيٌّ: لَا وَاللَّهِ، لَا أَمْحَاهَا .

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: أَرِنِي مَكَانَهَا . فَأَرَاهُ مَكَانَهَا . فَمَحَاهَا، وَكَتَبَ: ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ .

فَأَقَامَ بِهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَلَمَّا أَنْ كَانَ اليَوْمُ الثَّالِثِ قَالَوا لِعَلِيٍّ: هَذَا آخِرُ يَوْمٍ مِنْ شَرْطِ صَاحِبِكَ فَأْمُرْهُ فَلْيَخْرُجْ، فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ . فَقَالَ: نَعَمْ، فَخَرَجَ . ( 23 ) ومن باب: صلح الحديبية ( جُلُبان السلاح ) بضم الجيم واللام .

وذكره الهروي : بإسكان اللام . وصوَّبه ثابت . وهو مثل الجلبان من القطاني ، وقاله بعض المتقنين بالراء : ( جربان ) بدل اللام .

وجربان السيف والقميص . وفي البخاري : بجلب السلاح . ولعله جمع جلبان .

وقد فسر الجلبان في الحديث : بالسيف وما هو فيه ، وهو شبه الجراب من الأدم ، يوضع فيه السيف مغمودًا ، ويطرح فيه السوط . وفائدة اشتراطهم ذلك : أن لا يدخل عليهم على حالة المحاربين وهيئتهم ، فيظن أنه دخلها عليهم قهرًا . وقوله : ( هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله ) ؛ أي : ما صالح عليه .

وهو حجَّة لأرباب الوثائق على افتتاحهم الوثائق التي لها بال بهذا ، كقولهم : هذا ما اشترى ، وهذا ما أعتق ، وهذا ما أصدق . وعلى تقديم الرجل الكبير في صدر الوثيقة ، بائعًا كان ، أو مبتاعًا . و( يمحاها ) : يذهبها ويزيلها ؛ يعني : الكلمة التي نازعه فيها .

يقال : محوت الشيء ، ومحيته ، أمحوه ، وأمحاه ، محوًا ، ومحيًا . وامتناع علي رضي الله عنه من المحو مع أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بذلك : إنما كان لأنه لم يفهم من ذلك الأمر الجزم ، ولا الإيجاب . وإنما فهم : أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمره بذلك على جهة المصلحة في موافقتهم على ما طلبوه ، لكن خفي على علي وعمر وغيرهما وجه المصلحة في ذلك ؛ ولذلك عظمت عليهم تلك الحال ، واشتدت عليهم حتى قال عمر ما قال : وحلف علي : ألا يمحو ما أمره بمحوه تعظيمًا لمحو اسم الرسالة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ، والنبي -صلى الله عليه وسلم- في كل ذلك مقبل على ما أراه الله ، وممتثل أمر الله تعالى ساكن الجأش ، واثقًا بأن الله لا يضيعه ، وأن الله سيجعل لهم في ذلك خيرًا وفرجًا ، ولذلك كان حال أبي بكر من سكون الجأش ، والثقة بالله ؟ حتى قال لعمر ما قال ، مما يدل على موافقته رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ظاهرًا ، وباطنًا ، حتى نصَّ على عمر ما قاله له رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حرفًا ، حرفًا ، حسب ما نصه في حديث سهل بن حنيف .

وقوله : ( أرني مكانها ، فأراه ، فمحاها وكتب ) ؛ ظاهر هذا: أنه -صلى الله عليه وسلم- محى تلك الكلمة التي هي ( رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ) بيده ، وكتب مكانها : ( ابن عبد الله ) ، وقد رواه البخاري بأظهر من هذا فقال : فأخذ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الكتاب ، فكتب . وزاد في طريق أخرى : ( ولا يحسن أن يكتب ) . فقال جماعة بجواز هذا الظاهر عليه ، وأنه كتب بيده .

منهم : السمناني ، وأبو ذر ، والباجي . ورأوا : أن ذلك غير قادح في كونه : أمِّيًا ، ولا معارض لقوله تعالى : وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ولا لقوله : ( إنا أمة أميِّة ، لا نكتب ولا نحسب ) ؛ بل رأوه زيادة في معجزاته ، واستظهارًا على صدقه ، وصحة رسالته . وذلك : أنه كتب من غير تعلم الكتابة ، ولا تعاط لأسبابها ، فكان ذلك خارقًا للعادة ، كما أنه -صلى الله عليه وسلم- عَلِم عِلم الأولين والآخرين من غير تعلُّم ، ولا اكتساب ، فكان ذلك أبلغ في معجزاته ، وأعظم في فضائله ، هذا لو فرض أنه علم الكتابة كلها ، وداوم عليها ، فكيف ولم يرو عنه قط أنه كتب في غير ذلك الموطن الخاص ، بل لم يفارق ما كان عليه من عدم معرفته بالكتابة حالة كتابته تلك ، وإنما أجرى الله تعالى على يده ، وقلمه حركات كانت عنها خطوط مفهومها : ( ابن عبد الله ) لمن قرأها ، ثم هل كان عالِمًا في تلك الحال بنظم تلك الحروف الخاصة ؛ كل ذلك محتمل .

وعلى التقديرين : فلا يزول عنه اسم الأمي بذلك ؛ ولذلك قال الراوي عنه في هذه الحالة : ( ولا يحسن أن يكتب ) . فبقي عليه اسم الأمي مع كونه قال : ( كتب ) . وقد أنكر هذا كثير من متفقهة الأندلس وغيرهم ، وشدّدوا النكير فيه ، ونسبوا قائله إلى الكفر .

وذلك دليل : على عدم العلوم النظرية ، وعدم التوقــف في تكفير المسلمين ، ولم يتفطنوا لأن تكفير المسلم كقتله ، على ما جاء عنه -صلى الله عليه وسلم- في الصحيح ، لا سيما رمي من شهد له أهل عصره بالعلم ، والفضل ، والإمامة . على أن المسألة ليست قطعية ، بل مستندها ظواهر أخبار آحاد صحيحة ، غير أن العقل لا يحيلها ، وليس في الشريعة قاطع يحيل وقوعها على ما تقدَّم.

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث