باب صلح الحديبية وقوله تعالى إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا
[1301] وعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ قُرَيْشًا صَالَحُوا النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِيهِمْ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِعَلِيٍّ: اكْتُبْ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴾. قَالَ سُهَيْلٌ: أَمَّا ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرحمن الرحيم ﴾، فَمَا نَدْرِي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَلَكِنْ اكْتُبْ مَا نَعْرِفُ: بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ . فَقَالَ: اكْتُبْ: مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ .
قَالَوا: لَوْ عَلِمْنَا أَنَّكَ رَسُولُه لَاتَّبَعْنَاكَ، وَلَكِنْ اكْتُبْ: اسْمَكَ وَاسْمَ أَبِيكَ . فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: اكْتُبْ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ . فَاشْتَرَطُوا عَلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنْ مَنْ جَاءَ مِنْكُمْ لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكُمْ، وَمَنْ جَاءَ مِنَّا رَدَدْتُمُوهُ عَلَيْنَا .
فَقَالَوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَكْتُبُ هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، إِنَّهُ مَنْ ذَهَبَ إِلَيْهِمْ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، وَمَنْ جَاءَنَا مِنْهُمْ سَيَجْعَلُ اللَّهُ لَهُ فَرَجًا وَمَخْرَجًا . وقوله في الرواية الأخرى لعلي : ( اكتب : من محمد بن عبد الله ) ؛ ليس معارضًا للرواية التي تقدَّم ذكرها ؛ إذ ليس فيها : أن عليًّا كتب بيده ، وإنما فيها : أنه -صلى الله عليه وسلم- أمره بالكتابة كما أمره بالمحو ، فلم يمح علي ، ولم يكتب ، فلما امتنع علي منهما جميعًا للوجه الذي ذكرناه ، قال له -صلى الله عليه وسلم- : ( أرني مكانها ) ؛ فأراه إيَّاه ، فمحاه النبي - صلى الله عليه وسلم- ، وكتب بيده ، على ما تقرر من المذهب الأول . وعليه تجتمع الروايات المختلفة .
وقوله : ( فاشترطوا عليه : أن من جاء منكم لم نرده ، ومن جاء منا رددتموه علينا ) ؛ لا خلاف بين الرواة والمتأولين : أن الرجال داخلون في هذا اللفظ العام ، واختلفوا : هل دخل فيهم النساء ؟ فمنهم من منع ذلك ، واستدل بما جاء في البخاري في كتاب : الشروط ، في هذا الحديث ، وهو أنه قال : ولا يأتيك منا رجل على دينك إلا رددته إلينا . وهذا نص ، وعلى هذا : فلا يحتاج إلى اعتذار عن حبس النبي -صلى الله عليه وسلم- النساء اللاتي أسلمن وهاجرن إلى المدينة . ولا أن نقول في قوله تعالى : فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ أنه ناسخ .
والأكثر على أنهن دخلن في ذلك العموم . وقد روي أن سبيعة بنت الحارث الأسلمي جاء زوجها صيفي يطلبها ، وكانت أسلمت ، وهاجرت . وكذلك أم كلثوم بنت عقبة ، فجاء زوجها : مسافر يطلبها بالشرط ، فأنزل الله تعالى الآية في النهي عن ردهن ، ورأوا : أن هذه الآية ناسخة لما تقرر بالشرط المتقدَّم ؛ الذي هو : ردهن إلى الكفار .
والطريقة الأولى أحسن ، وأبعد عن الإشكال ؛ إذ لم يدخلن في الشرط . ثم اختلفوا : فيما إذا صولح العدو على مثل هذا الشرط . فذهب الكوفيون : إلى أن ذلك لا يجوز ؛ لا في الرجال ولا في النساء .
ورأوا : أن كل ذلك منسوخ . ونحوه حكى مكي في الناسخ والمنسوخ له عن المذهب . وذهب مالك في المشهور عنه ، وحكي عن أصحاب الشافعي جواز ذلك ، ولزومه في الرجال دون النساء ، لكن بشرط أن يكونوا مأمونين على دمه .
وقيل : إنما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- ذلك لضعف المسلمين عن مقاومة عدوهم في ذلك الوقت ، وذلك لأنه إنما رد من رد ممن جاء مسلمًا لآبائهم ، وذوي أرحامهم ؛ لعطفهم عليهم ، ولحبهم فيهم ، ولصحة إسلام من أسلم منهم ، وللذي علمه النبي -صلى الله عليه وسلم- من حال من رد : أنه سيجعل الله له فرجًا ومخرجًا ، وكذلك كان . وكل هذه الأمور معدومة في حق غيره -صلى الله عليه وسلم- ، فلا يحتج بتلك القضية على جواز ذلك . والله تعالى أعلم .