باب بعث العيون في الغزو وما جاء أن الجنة تحت ظلال السيوف
[1368] وعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي وَهُوَ بِحَضْرَةِ الْعَدُوِّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: إِنَّ أَبْوَابَ الْجَنَّةِ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ . فَقَامَ رَجُلٌ رَثُّ الْهَيْئَةِ ، فَقَالَ: يَا أَبَا مُوسَى! أنْتَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ ، قَالَ: فَرَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ ، قَالَ: أَقْرَأُ عَلَيْكُمْ السَّلَامَ، ثُمَّ كَسَرَ جَفْنَ سَيْفِهِ فَأَلْقَاهُ، ثُمَّ مَشَى بِسَيْفِهِ إِلَى الْعَدُوِّ فَضَرَبَ بِهِ حَتَّى قُتِلَ . وقوله : ( الجنَّةُ تحت ظلالِ السُّيوف ) ؛ من الاستعارة البديعة ، والألفاظ السَّهلة البليغة ؛ التي لا يُنسَجُ على منوالها ، ولا يقدِرُ بليغ أن يأتيَ بمثالها .
يعني بذلك : أن من خاض غمراتِ الحروب ، وباشرَ حالَ المسايفة كان له جزاء الجنة . وهذا من باب قوله : ( الجنَّة تحت أقدام الأمَهات ) ؛ أي : مَن تذلَّل لهنَّ ، وأطاعهنَّ وَصَل إلى الجنة ، ودخلها . وفي هذين الحديثين دليل على جواز استقتال الرجل نفسه في طلب الشَهادة ، وإن علم أنه يقتَل .
وقد فعله كثير من الصحابة والسَّلف وغيرهم . وروي عن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهما ، وهو قولُ مالك ، ومحمد بن الحسن ، غير أنَّ العلماءَ كرهوا فِعلَ ذلك لرأس الكتيبة ؛ لأنه إن هلك هلك جيشُه . وقد روي عن عمر أيضًا كراهية الاستقتال ، وقال : ( لأن أموتَ على فراشي أحبُّ إليَّ من أن أقتل بين يدي صفٍ ) .
يعني : مستقتلا . ورأى بعضُ العلماء هذا الفعلَ مِن إلقاء اليد للتهلكة المنهي عنه . قلتُ : وفي هذا بُعْدٌ من وجهين : أحدهما : أن أحسنَ ما قيل في الآية ؛ أنها فيمن ترك الإنفاق في الجهاد .
وثانيها : أن عملاً يُفضي بصاحبه إلى الشَّهادة ليس بتهلكة ، بل التهلكةُ : الإعراضُ عنه ، وتركُ الرَّغبة فيه . ودلَّ على ذلك الأحاديث المتقدِّمة كلها ، فلا يُعدل عنها .