باب في قوله تعالى رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ
) باب في قوله تعالى : رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ 1903 [1369] عَنْ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: عَمِّيَ سُمِّيتُ بِهِ لَمْ يَشْهَدْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بَدْرًا، قَالَ: فَشَقَّ عَلَيْهِ . قَالَ: أَوَّلُ مَشْهَدٍ شَهِدَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- غُيِّبْتُ عَنْهُ، فَإِنْ أَرَانِيَ اللَّهُ مَشْهَدًا فِيمَا بَعْدُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فلَيَرَينِ اللَّهُ مَا أَصْنَعُ . قَالَ: فَهَابَ أَنْ يَقُولَ غَيْرَهَا، قَالَ: فَشَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَوْمَ أُحُدٍ، قَالَ: فَاسْتَقْبَلَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فَقَالَ لَهُ أَنَسٌ: يَا أَبَا عَمْرٍو، أَيْنَ؟ فَقَالَ: وَاهًا لِرِيحِ الْجَنَّةِ، أَجِدُهُ دُونَ أُحُدٍ، قَالَ: فَقَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ، قَالَ: فَوُجِدَ فِي جَسَدِهِ بِضْعٌ وَثَمَانُونَ مِنْ بَيْنِ ضَرْبَةٍ وَطَعْنَةٍ وَرَمْيَةٍ، قَالَ: فَقَالَتْ أُخْتُهُ عَمَّتِيَ الرُّبَيِّعُ بِنْتُ النَّضْرِ: فَمَا عَرَفْتُ أَخِي إِلَّا بِبَنَانِهِ، وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ الآية قَالَ: فَكَانُوا يُرَوْنَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيهِ وَفِي أَصْحَابِهِ .
( 47 ) ومن باب: قوله تعالى : رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ قول أنس : ( عمِّي سُمِّيت به ) ؛ أي : سُميت باسمه ، فإن عمَّه أنس بن النضر . وقوله : ( إن أشهدني اللهُ مشهدًا فيما بعد مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليرينَّ اللهُ ما أصنع ) ؛ هذا الكلامُ تضمَّنَ أنه ألزمَ نفسه إلزامًا مؤكدًا ، وهو : الإبلاءُ في الجهاد ، والانتهاض فيه ، والإبلاغُ في بذل ما يقدر عليه منه ، ولم يصرِّح بذلك مخافةَ ما يتوقَّع من التقصير في ذلك ، وتبرُؤا مِن حوّله وقوته ؛ ولذلك قال : ( فهاب أن يقول غيرها ) ، ومع ذلك فنوى بقلبه ، وصمم على ذلك ، فصح قصدُه ، ولذلك سمَّاه الله عهدًا في الآية حيث قال : مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فسمَّاه عهدًا . وقوله : ( واهًا لريح الجنة ) ؛ أي : عجبًا منه ، فهي هنا تعجب ، وقد تأتي للترحم ، والتلهف ، والاستهانة .
وقوله : ( أجده دون أُحُدٍ ) ؛ ظاهرُه الحملُ على : أنه وجده حقيقةً ، كما جاء في الحديث الآخر : ( إن ريح الجنة توجدُ على مسيرة خمسمائة عامٍ ) ، ويحتملُ أن يكون قاله على معنى التمثيل ؛ أي : إن القتلَ دون أُحُد موجب لدخول الجنة ، ولإدراك ريحها ونعيمها . وقوله : ( فقاتلهم حتى قتل ) ؛ ظاهره : أنه قاتلهم وحده . فيكون فيه دليل على جواز الاستقتال ، بل على نَدبيته ؛ كما تقدم .
وقولها : ( فما عرفَتُه إلا ببنانه ) ؛ أي : بأصابعه . ومنه قوله تعالى : عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ وقوله : فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ ؛ أي : وفَّى بنذره . يقال : نحب ، ينحُب إذا نذر ، ومنه قول الشاعر : إذا نحبت كلبٌ على الناس إنَّهم أحقّ بتاجِ الماجد المتكرِّم وقيل : قضى أجله على ما عاهد عليه .
قال ذو الرمَّة : عَشِيَّةَ فرَّ الحارِثُيونَ بَعْدَما قَضَى نَحبَهُ في مُلتَقى الجيشِ هَوْبَرُ وقوله : وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ ؛ أي : الوفاء بما نذر الموت على ما عاهدوا . وقوله : وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا ؛ أي : استمرُّوا على ما التزموا ، ولم يقع منهم نقض لما أبرموا . وقوله ( قال : فكانوا يرون أنها نزلت فيه وفي أصحابه ) ؛ هذا القائلُ هو : ثابت .
والله تعالى أعلم ؛ ويعني به : أن الصَّحابةَ رضي الله عنهم كانوا يظنون : أنَها نزلتْ فيمن ذكر . وقد قيل : نزلت في السَّبعين الذين بايعوا النبي -صلى الله عليه وسلم- على أن يمنعوه مما يمنعون منه نساءهم ، وأبناءهم ، فوفُّوا بذلك ؛ قاله الكلبيُّ . وقد قيل غير ذلك.