باب الإخلاص وحسن النية في الجهاد
) باب الإخلاص وحسن النية في الجهاد 1904 - 149 و 151 [1371] عن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ: أَنَّ رَجُلًا أَعْرَابِيًّا أَتَى النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُذْكَرَ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُرَى مَكَانُهُ، فَمَنْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هي أَعْلَى، فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ . وفي رواية: الرَّجُلُ يُقَاتِلُ غَضَبًا، وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً؟ قَالَ: فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيْهِ، وَمَا رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيْهِ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ قَائِمًا فَقَالَ: مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ . ( 48 ) ومن باب: الإخلاص وحسن النية في الجهاد قوله -صلى الله عليه وسلم- : ( من قاتل لتكون كلمةُ الله هي العليا ؛ فهو في سبيل الله ) ؛ يعني بـ ( كلمة الله ) : دين الإسلام .
وأصله : أن الإسلامَ ظهر بكلام الله تعالى ؛ الذي أظهره على لسان نبيه - صلى الله عليه وسلم- . ويُفْهَمُ من هذا الحديث : اشتراط الإخلاص في الجهاد ، وكذلك هو شرطٌ في جميع العبادات ؛ لقوله تعالى : وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ والإخلاص : مصدر من : أخلصت العسل وغيره : إذا صفيته ، وأفردتُه من شوائب كدره ؛ أي : خلصته منها . فالمخلِصُ في عباداته هو الذي يُخلصها من شوائب الشركِ والرياء .
وذلك لا يتأتى له إلا بأن يكون الباعثُ له على عملها قصدَ التقرب إلى الله تعالى ، وابتغاء ما عنده . فأما إذا كان الباعثُ عليها غير ذلك من أعراض الدُّنيا ؛ فلا يكونُ عبادة ، بل يكون مصيبة موبقة لصاحبها ، فإما كفرٌ ، وهو : الشرك الأكبر ، وإما رياء ، وهو : الشركُ الأصغر . ومصيرُ صاحبه إلى النار ، كما جاء في حديث أبي هريرة في الثلاثة المذكورين فيه .
هذا إذا كان الباعثُ على تلك العبادة الغرضَ الدنيوي وحده ، بحيث لو فُقِد ذلك الغرضُ لتُرِك العمل . فأما لو انبعث لتلك الحالة لمجموع الباعثَينِ- باعث الدنيا وباعث الدين- ؛ فإن كان باعثُ الدنيا أقوى ، أو مساويًا ألحق القسم الأول في الحكم بإبطال ذلك عند أئمة هذا الشأن ، وعليه يدل قولُه -صلى الله عليه وسلم- حكاية عن الله تبارك وتعالى : ( مَن عَمِل عملاً أشركَ معي فيه غيري تركتُه وشريكه ) . فأما لو كان باعثُ الدِّين أقوى ؛ فقد حكم المحاسبي رحمه الله بإبطال ذلك العمل ؛ متمسكًا بالحديث المتقدِّم ، وبما في معناه ، وخالفه في ذلك الجمهور ، وقالوا بصحة ذلك العمل ، وهو الأقدم في فروع مالك .
ويُستدلُ على هذا بقوله -صلى الله عليه وسلم- : ( إن من خير معايش الناس رجلا ممسكا فرسه في سبيل الله ) ، فجعل الجهاد مما يصح أن يُتخذ للمعاش ، ومن ضرورة ذلك أن يكونَ مقصودًا ، لكن لما كان باعثُ الدِّين على الجهاد هو الأقوى والأغلب ، كان ذلك الغرض مُلغى ، فيكون معفوًّا عنه ؛ كما إذا توضأ قاصِدًا رَفع الحدث والتبرُّد ، فأما لو تفرَّد باعثُ الدِّين بالعمل ، ثم عرض باعث الدنيا في أثناء العمل فأولى بالصحة . وللكلام في هذا موضع آخر ، وما ذكرناه كافٍ هنا . وقوله : ( فرفع رأسَه إليه ، وما رفع رأسه إليه إلا أنه كان قائمًا ) ؛ فيه دليل على جواز سؤال القائم السائل للعالم وهو قاعد ؛ إذا دعتْ إلى ذلك حاجة ، أو عذر ، وإلا فالأولى للسَّائل الجلوسُ ، والتثبُّت ؛ كما في حديث جبريل ، حيث سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- .