باب لا هجرة بعد الفتح
) باب لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية وعمل صالح ( 1353 ) [1438] عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْفَتْحِ فَتْحِ مَكَّةَ: لَا هِجْرَةَ ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا . ( 16 ) ومن باب : لا هجرة بعد الفتح قوله لا هجرة ؛ أي لا وجوب هجرة بعد فتح مكة ، وإنما سقط فرضها إذ ذاك لقوة المسلمين وظهورهم على عدوهم ، ولعدم فتنة أهل مكة لمن كان بها من المسلمين بخلاف ما كان قبل الفتح ، فإنَّ الهجرة كانت واجبةً لأمور : سلامة دين المهاجرين من الفتنة ، ونُصرة النبي صلى الله عليه وسلم ، وتعلُّم الدين وإظهاره . وقد تقدّم أنه لم يختلف في وجوب الهجرة على أهل مكة من المسلمين .
واختلف في وجوبها على من كان بغيرها ؛ فقيل : كانت واجبة على كل من أسلم تمسُّكًا بمطلق الأمر بالهجرة وذم من لم يهاجر ، وببيعة النبي صلى الله عليه وسلم على الهجرة كما جاء في حديث مجاشع . وقيل : بل كانت مندوبًا إليها في حق غير أهل مكة - حكاه أبو عبيد . ويُستدلُّ لهذا القول بقول النبي صلى الله عليه وسلم للأعرابيِّ الذي استشاره في الهجرة إن شأنها لشديد ولم يأمره بها ، بل أَذِنَ له في ملازمة مكانه كما يأتي ، وبدليل أنَّه لم يأمر الوفود عليه قبل الفتح بالهجرة .
وقيل : إنما كانت واجبة على من لم يسلم جميعُ أهلِ بلده لئلا يبقى تحت أحكام الشرك ويخاف الفتنة على دينه . قلت : ولا يختلف في أنه لا يحل لمسلم المقام في بلاد الكفر مع التمكن من الخروج منها لجريان أحكام الكفر عليه ولخوف الفتنة على نفسه ، وهذا حكم ثابت مؤبَّد إلى يوم القيامة ، وعلى هذا فلا يجوز لمسلم دخول بلاد الكفر لتجارة أو غيرها مما لا يكون ضروريًّا في الدِّين كالرُّسل وكافتكاك المسلم ، وقد أبطل مالك رحمه الله تعالى شهادة من دخل بلاد الهند للتجارة . وقوله ولكن جهاد ونية ؛ أي : ولكن يبقى جهاد ونية ، أو جهاد ونية باقيان - أي نية في الجهاد أو في فعل الخيرات ، وهذا يدلّ على أن استمرار حكم الجهاد إلى يوم القيامة وأنه لم ينسخ ، لكنه يجب على الكفاية ، وإنما يتعين إذا دَهَمَ العدوُّ بلدًا من بلاد المسلمين فيتعين على كلِّ مَنْ تمكن من نصرتهم ، وإذا استنفرهم الإمام تعين على كل من استنفره لنصِّ هذا الحديث على ذلك ، وهو أمرٌ مُجْمَعٌ عليه .