باب نسخ نكاح المتعة
( 1406 ) ( 27 ) [1458] وعن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ أنه قَامَ بِمَكَّةَ فَقَالَ: إِنَّ نَاسًا أَعْمَى اللَّهُ قُلُوبَهُمْ كَمَا أَعْمَى أَبْصَارَهُمْ يُفْتُونَ بِالْمُتْعَةِ يُعَرِّضُ بِرَجُلٍ فَنَادَاهُ فَقَالَ: إِنَّكَ لَجِلْفٌ جَافٍ ، فَلَعَمْرِي لَقَدْ كَانَتْ الْمُتْعَةُ تُفْعَلُ عَلَى عَهْدِ إِمَامِ الْمُتَّقِينَ يُرِيدُ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ: فَجَرِّبْ بِنَفْسِكَ ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ فَعَلْتَهَا لَأَرْجُمَنَّكَ بِأَحْجَارِكَ . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي خَالِدُ بْنُ الْمُهَاجِرِ بْنِ سَيْفِ اللَّهِ أَنَّهُ بَيْنَما هُوَ جَالِسٌ عِنْدَ رَجُلٍ جَاءَهُ رَجُلٌ فَاسْتَفْتَاهُ فِي الْمُتْعَةِ ، فَأَمَرَهُ بِهَا فَقَالَ لَهُ ابْنُ أَبِي عَمْرَةَ الْأَنْصَارِيُّ: مَهْلًا قَالَ: مَا هِيَ ؟ وَاللَّهِ لَقَدْ فُعِلَتْ فِي عَهْدِ إِمَامِ الْمُتَّقِينَ . قَالَ ابْنُ أَبِي عَمْرَةَ: إِنَّهَا كَانَتْ رُخْصَةً فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ لِمَنْ اضْطُرَّ إِلَيْهَا كَالْمَيْتَةِ ، وَالدَّمِ ، وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ ، ثُمَّ أَحْكَمَ اللَّهُ الدِّينَ ، وَنَهَى عَنْهَا .
و( قوله : يُعَرِّضُ بِرَجُلٍ ) يعني به : ابن عباس ، وكان إذ ذاك قد عَمِي ، وكان هذا من عبد الله زمن إمارته ، وإنما قَدَعَه ابنُ الزبير بهذا القول ؛ لظهور الناسخ لنكاح المتعة ، وشهرة الأحاديث في ذلك ، فكأنَّه نسبه إلى التفريط . وكان ج٤ / ص٩٩عبد الله بن عبَّاس في آخر عمره قل ما يُصغي لمن يحدّث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تقدّم من قوله : ( فلما ركب الناس الصعب والذلول لم يأخذ من الناس إلا ما يعرف ) . وكان قد عرف الإباحة فاقتصر عليها ، ولم يُصْغِ إلى غيرها .
كما قال : ( لقد كانت تفعل على عهد إمام المتقين رسول رب العالمين ، رسول الله صلى الله عليه وسلم . و( الجِلْفُ ) و( الجافي ) هما بمعنى واحد ؛ قاله ابن السكيت وغيره . وكرَّرَهما لفظًا لاختلافهما على عادة العرب في ذلك ، وعليه حملوا : إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ و : حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ .
وأصل الجلف : الشاة المسلوخة بغير رأس ولا قوائم ، قاله القُتبي والهروي . و( التائه ) : الحائد عن مقصوده ، الحائر . و( قوله : لئن فعلتها لأرجمنَّك بأحجارك ) حجة لأحد القولين المتقدمين في أن من نكح نكاح المتعة أقيم عليه الحدّ .
ويحتمل أن يُحمل على الإرهاب والتغليظ . وكِنَايَتُهم عن ابن عباس في هذه المسألة بـ( رجل ) سترٌ منهم له ؛ لأجل هذه الفتيا التي صدرت عنه ، فإنها ما كانت تليق بعلمه ، ولا بمنصبه في الفضل والدين . وإنكار علي ، وابن الزبير ، وغيرهما ، وإغلاظهم عليه ، ولا منكر عليهم ، يدلُّ على أن تحريم ذلك كان عندهم معلومًا .
ج٤ / ص١٠٠وقول ابن عباس : ( لقد فُعِلَتْ على عهد إمام المتقين ) تنبيه منه : على أنه لو كانت المتعة مِمّا يُتَّقَى : لكان النبي صلى الله عليه وسلم أولى بتقاةِ ذلك ، فإنه أتقى لله ، وأخوف من كل مُتِّقٍ . وقول ابن أبي عمرة هو الحق الصريح ، كما شهدت له الأحاديث الصحيحة المتقدمة .