باب عِتْق الأمةِ وتزويجها وهل يصح أن يجعل العتق صداقا
( 1365 ) ( 87 و 88 ) [1481] وعنه قَالَ: صَارَتْ صَفِيَّةُ لِدِحْيَةَ فِي مَقْسَمِهِ ، وَجَعَلُوا يَمْدَحُونَهَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ: وَيَقُولُونَ: مَا رَأَيْنَا فِي السَّبْيِ مِثْلَهَا . قَالَ: فَبَعَثَ إِلَى دِحْيَةَ فَأَعْطَاهُ بِهَا مَا أَرَادَ .
وفي رواية : ثُمَّ دَفَعَهَا إِلَى أُمِّي فَقَالَ: أَصْلِحِيهَا . وفي رواية : فَاشْتَرَاهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبْعَةِ أَرْؤُسٍ ، ثُمَّ دَفَعَهَا إِلَى أُمِّ سُلَيْمٍ تُصَنِّعُهَا ، وَتُهَيِّئُهَا له ، قَالَ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ : َتَعْتَدُّ فِي بَيْتِهَا ، قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ خَيْبَرَ ، حَتَّى إِذَا جَعَلَهَا فِي ظَهْرِهِ نَزَلَ ، ثُمَّ ضَرَبَ عَلَيْهَا الْقُبَّةَ ، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ كَانَ عِنْدَهُ فَضْلُ زَادٍ فَلْيَأْتِنَا بِهِ قَالَ: فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِفَضْلِ التَّمْرِ وَفَضْلِ السَّوِيقِ ، حَتَّى جَعَلُوا مِنْ ذَلِكَ سَوَادًا حَيْسًا ، فَجَعَلُوا يَأْكُلُونَ مِنْ ذَلِكَ الْحَيْسِ ، وَيَشْرَبُونَ مِنْ حِيَاضٍ إِلَى جَنْبِهِمْ مِنْ مَاءِ السَّمَاءِ . قَالَ أنس : فَكَانَتْ تِلْكَ وَلِيمَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهَا ، قَالَ: فَانْطلقنَا حَتَّى إِذَا رَأَيْنَا جُدُرَ الْمَدِينَةِ هَشِشْنَا إِلَيْهَا ، فَرَفَعْنَا مَطِيَّنَا ، وَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَطِيَّتَهُ قَالَ: وَصَفِيَّةُ خَلْفَهُ قَدْ أَرْدَفَهَا ، قَالَ: فَعَثَرَتْ مَطِيَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَصُرِعَ وَصُرِعَتْ .
قَالَ: فَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ يَنْظُرُ إِلَيْهِ وَلَا إِلَيْهَا ، حَتَّى قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَتَرَهَا قَالَ: فَأَتَيْنَاهُ فَقَالَ: لَمْ نُضَرَّ قَالَ: فَدَخَلْنَا الْمَدِينَةَ ، فَخَرَجَ جَوَارِي نِسَائِهِ يَتَرَاءَيْنَهَا ، وَيَشْمَتْنَ بِصَرْعَتِهَا . وفي رواية ، قال : وَقَالَ النَّاسُ: لَا نَدْرِي أَتَزَوَّجَهَا أَمْ اتَّخَذَهَا أُمَّ وَلَدٍ ، قَالُوا: إِنْ حَجَبَهَا فَهِيَ امْرَأَتُهُ ، وَإِنْ لَمْ يَحْجُبْهَا فَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرْكَبَ حَجَبَهَا فَقَعَدَتْ عَلَى عَجُزِ الْبَعِيرِ ، فَعَرَفُوا أَنَّهُ قَدْ تَزَوَّجَهَا ، وذكر صرعتها نحوه . ( 1365 ) ( 85 ) [1482] وعَنْه ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ تَزَوَّجَ صَفِيَّةَ ، وَأَصْدَقَهَا عِتْقَهَا .
و( قوله : حين أصبح عروسًا : ( من كان عنده فضل زاد فليأتنا ) دليل على مشروعية الوليمة ، وأنَّها بعد الدُّخول . وعلى أنَّ العروس إذا لم يكن له بما يولم ، طلب ممن ينبسط معه من أصحابه ، ويختصُّ به منهم بما لا يثقل عليهم به مما يخف ويسهل ، إذا علم حال أصحابه ، وسخاوة أنفسهم بذلك ، وطيب قلوبهم . ج٤ / ص١٤٣و( قوله : فجعل الرجل يجيء بفضل التمر ، وفضل السويق ، حتى جعلوا من ذلك سوادًا حيسًا ) يعني : جاء كل واحد منهم بما فضل عن حاجته مِمَّا كان عنده .
وسواد الشيء : شخصه ؛ يعني : أنه اجتمع من ذلك ما له جرمٌ وقدْرٌ مرتفع عن الأرض . و( الحيس ) : تمرٌ ، وأقط ، وسمن مجتمعٌ ، وقد تقدَّم . و( قوله في "الأم" : ( فُحِصَتِ الأرض أفاحيص ) أي : كشفت عما يمنع القعود عليها من حجارةٍ ، وعُشب ، وغير ذلك ، وسوِّيت حتى خلص إلى التراب .
ومنه : مفحص القطاة ، وهو الموضع الذي تتخذه لبيضها . وواحد الأفاحيص : أفحوص . و( الأنطاع ) جمع : نطع .
وفيه أربع لغات : نِطَعٌ ، وهي أفصحها . ونِطْعٌ ، ونَطْعٌ ، ونَطَعٌ . و( قوله : فانطلقنا حتى إذا رأينا جدر المدينة هششنا إليها ) أي : اهتززنا فرحًا وسرورًا .
وهذه فرحة القادم ، السالم ، الغانم ؛ إذا وصل إلى وطنه وأهله . و( قوله : فرفعنا مطينا ورفع رسول الله صلى الله عليه وسلم مطيته ) أي : أجرينا ، ورفعنا السير إلى غايته . و( قوله في "الأم" : ( ونَدَرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ونَدَرَتْ ) أي : صُرع وصُرعتْ ؛ كما جاء في هذه الرواية مفسَّرًا .
وأصل النُّدور : الخروج . ومنه قوله : نوادر الكلام . ج٤ / ص١٤٤والنَّادر من النَّاس : الخارج عنهم بما فيه من الزيادة عليهم .
وكون النَّاس امتنعوا من النظر إليهما إنما كان ذلك احترامًا وإجلالاً أن يقع بصرٌ على عورة منهما ، فإنه كان قد انكشف منهما ما يستر . ألا ترى قوله : ( فسترها ) ؟ و( قوله : لم نُضَرَّ ) أي : لم يصبنا ضررٌ ؛ إزالة لما غشيهم من التخوِّف عليه ، وتسكينًا لنفرتهم ، وتطييبًا لقلوبهم . و( قوله : فخرج جواري نسائه يتراءينها ، ويشمتن بصرعتها ) يعني : الصغارَ الأسنان ، اللَّواتي لا ثبات لهن ولا حنكة عندهن .
و( يتراءينها ) : ينظرن ، ويتشوَّفن إليها . ( ويشمتن بصرعتها ) كأنهن سُرِرْن بذلك . وهذا فعلٌ يتضمنه طباع الضرائر ومن يتعصّب لهن .
و( قولهم : ( إن حَجبها فهي امرأته ، وإن لم يحجبها فهي أم ولد ) هذا يدل على أنه ما كان أبان لهم أمرها ، ولا أشهدهم على تزويجها . فيكون فيه دليل على جواز عقد النكاح من غير إشهاد ، وبه قال الزهري ومالك ، وأهل المدينة ، ج٤ / ص١٤٥وأبو ثور ، وجماعة من السَّلف . وذهب آخرون : إلى أنَّه لا يجوز إلا بشاهدي عدل .
وهو قول جماعة من الصَّحابة ، والثوري ، والأوزاعي ، والشافعي ، وأحمد . وقال أبو حنيفة مثله ، إلا أنه لا يشترط العدد . واتفق الجميع على أنه شرطٌ في الدُّخول .
وعلى هذا فيكون دخوله صلى الله عليه وسلم بصفيّة من غير إشهادٍ من خصائصه . ولم يختلف أحدٌ من العلماء في أن كل نكاح استسرَّ به وليس فيه شاهدان أنَّه نكاح السرّ المنهيّ عنه ، ويُفسخ أبدًا . واختلفوا فيما إذا استسرَّ مع الشاهد ، فذهب الجمهور إلى أنه ليس بنكاح سرٍّ ، ولا يُفسخ .
وهو عند مالك نكاح سرٍّ ، ويُفسخ .