باب إجابة دعوة النكاح
( 1432 ) [1490] وعَنْه أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: بِئْسَ الطَّعَامُ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ يُدْعَى لَهِ الْأَغْنِيَاءُ ، وَيُتْرَكُ الْمَسَاكِينُ ، فَمَنْ لَمْ يَأْتِ الدَّعْوَةَ ، فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ . وفي رواية مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم : شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ يمنعها من يأتيها ، ويدعى إليها من يأباها ، ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله . و( قوله : بئس الطعام طعام الوليمة ) وفي رواية: ( شرُّ الطعام ) بدل ( بئس ) .
ج٤ / ص١٥٥أكثرُ الرواة والأئمة على رواية هذا الحديث موقوفًا على أبي هريرة . وقد انفرد برفعه زياد بن سعد عن الأعرج ، عن أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( شرُّ الطَّعام . ) وذكره .
وهو ثقة إمام ، وأيضًا فمن وقفه ذكر فيه ما يدلُّ : على أنه مرفوع ؛ وذلك أنه قال فيه : ( ومن لم يجب الدَّعوة فقد عصى الله ورسوله ) وظاهر هذا : الرفعُ ؛ لأنَّ الرَّاوي لا يقول مثل هذا من قِبَل نفسه . وقد تبيّن في سياق الحديث أنَّ الجهة التي يكون فيها طعام الوليمة شرُّ الطعام : إنما هي ترك الأَوْلى . وذلك : أن الفقير هو المحتاج للطعام ؛ الذي إن دُعي سارعَ وبادرَ ، ومع ذلك فلا يُدْعَى .
والغنيُّ غير محتاج ، ولذلك قد لا يجيب ، أو تثقل عليه الإجابة ، ومع ذلك فهو يدعى ، فكان العكس أولى . وهو : أن يُدعى الفقير ، ويُترك الغني . ولا يُفهم من هذا القول - أعني : الحديث - : تحريم ذلك الفعل ؛ لأنه لا يقول أحد بتحريم إجابة الدعاء للوليمة فيما علمته ؛ وإنما هذا مثل قوله صلى الله عليه وسلم : ( شرُّ صفوف الرِّجال آخرها ، وخيرها أولها ، وشرُّ صفوف النساء أولها ، وخيرها آخرها ) فإنَّه لم يقل أحد : إن صلاة الرجل في آخر صف حرام ، ولا صلاة النساء في أول صف حرام .
وإنَّما ذلك من باب ترك الأولى . كما قد يقال عليه : مكروه ، وإن لم يكن مطلوب الترك ، على ما يُعْرَف في الأصول . فإذًا الشرُّ المذكور هنا : قلةُ الثواب والأجر .
والخير : كثرة الثواب والأجر . ج٤ / ص١٥٦ولذلك كره العلماء اختصاص الأغنياء بالدَّعوة . ثم اختلفوا فيمن فعل ذلك : هل تجاب دعوته أم لا ؟ فقال ابن مسعود : لا تجاب .
ونحوه يحيى بنُ حبيب من أصحابنا . وظاهر كلام أبي هريرة وجوب الإجابة . ودعا ابن عمر في وليمة : الأغنياء والفقراء ، فأجلس الفقراء على حِدَة ؛ وقال : ها هنا ، لا تفسدوا عليهم ثيابهم ، فإنا سنطعمكم مما يأكلون .
ومقصود هذا الحديث : الحضُّ على دعوة الفقراء ، والضعفاء ، ولا تقصر الدعوة على الأغنياء ، كما يفعل مَنْ لا مبالاة عنده بالفقراء من أهل الدنيا ، والله تعالى أعلم .