باب قوله تعالى نساؤكم حرث لكم
) باب في قوله تعالى : ( نساؤكم حرث لكم ) الآية وما يقال عند الجماع ( 1435 ) [1491] عن جَابِرً بن عبد الله قُالُ: كَانَتْ الْيَهُودُ تَقُولُ: إِذَا أَتَى الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ مِنْ دُبُرِهَا فِي قُبُلِهَا كَانَ الْوَلَدُ أَحْوَلَ فَنَزَلَتْ: نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ . زاد في رواية عَنْ الزُّهْرِيِّ إِنْ شَاءَ مُجَبِّيَةً ، وَإِنْ شَاءَ غَيْرَ مُجَبِّيَةٍ غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي صِمَامٍ وَاحِدٍ . ( 15 ) ومن باب : قوله تعالى : نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ حديث جابر هذا نصٌّ على أن هذه الآية نزلت بسبب قول اليهود المذكور فيه .
وفي كتاب أبي داود عن ابن عباس : أنها نزلت بسبب أن رجلاً من المهاجرين تزَوَّج أنصارية ، فأراد أن يطأها شَرْحًا على عادتهم في وطء نسائهم فأبت إلا على جنب على عادتهن ، فاختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى : نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ؛ أي : مُقْبِلات ، ومُدبرات ، ومُستلقيات ؛ يعني بذلك موضع الولد . قلت : هذان سببان مختلفان ، لا بُعْدَ في نزول الآية جواباً للفريقين في وقت واحد ، وتكرَّر نزول الآية في وقتين مختلفين ، كما قد روي عن غير واحد من النقلة في الفاتحة : أنها تكرر نزولها بمكة والمدينة . وقد تمسَّك طائفة بعموم لفظ : أَنَّى شِئْتُمْ ورأوا أنَّها متناولة لقُبُلِ المرأة ودُبُرِها .
فأجازوا وطء المرأة في دبرها . وممن نُسب إليه هذا القول سعيد بن المسيِّب ، ونافع ، وابن الماجشون من أصحابنا . وحكي عن مالك في كتاب يُسمَّى : كتاب السرّ ، ونسب الكتاب إلى مالك ، وحذاق أصحابه ومشايخهم ينكرونه .
وقد حكى العُتْبِيُّ إباحة ذلك عن مالك . وأظنه من ذلك الكتاب المنكر نَقل . وقد تواردت روايات أصحاب مالك عنه بإنكار ذلك القول وتكذيبه لمن نقل ذلك عنه .
وقد حكينا نصَّ ما نقل عن مالك من ذلك في جزء كتبناه في هذه المسألة سَمَّيناه : إظهار إدبار من أجاز الوطء في الأدبار ، وذكرنا فيه غاية أدلة الفريقين ، ومتمسكاتهم من الكتاب والسنة على طريقة التحقيق ، والتحرير ، والنقل ، والتحبير . ومن وقف على ذلك قضى منه العَجب العُجاب ، وعلم أنه لم يكتب مثله في هذا الباب . وجمهور السلف ، والعلماء ، وأئمة الفتوى على تحريم ذلك .
ثم نقول : لا متمسك للمبُيحين في الآية لأوجه متعددة ؛ أقربها ثلاثة أمور : أحدها : أنها نزلت جوابًا لما ذكر ، فيقتصر على نوع ما نزلت جوابًا له ، فإنهم سألوا عن جواز الوطء في الفرج من جهات متعددة ، فأجيبوا بجوازه . و أنى على عمومها في جهات المسلك الواحد ، لا في المسالك . وثانيها : أن قوله تعالى : فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ تعيين للقُبُلِ ؛ فإنَّه موضع الْحَرثْ ، فإنَّ الحرث إنَّما يكون في موضع البذر .
وكذلك قال مالك لابن وهب ، وعلي بن زياد لَمَّا أخبراه : أن ناسًا بمصر يتحدثون عنه : أنه يجيز ذلك ، فنفر من ذلك ، وبادر إلى تكذيب الناقل . فقال : كذبوا عليَّ ، كذبوا عليَّ ، كذبوا عليَّ ، ثم قال : ألستم قومًا عربًا ؟ ألم يقل الله تعالى : نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ ؟ وهل يكون الحرث إلا في موضع المنبت ؟! . وثالثها : أنَّه لو سُلِّم أنَّ أَنَّى شاملة للمسالك بحكم عمومها ، فهي مخصَصَّةٌ بأحاديث صحيحة ، ومشهورة ، رواها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنا عشر صحابيًّا بمتون مختلفة ، كلّها متواردةٌ على تحريم وطء النساء في الأدبار .
ذكرها أحمد بن حنبل في مسنده ، وأبو داود ، والترمذي ، والنسائي . وقد جمعها أبو الفرج بن الجوزي بطرقها في جزء سَمَّاه : تحريم المحل المكروه . ومن أراد في هذه المسألة زيادة على ما ذكرناه فليطالع الجزء المذكور ؛ الذي ألَّفناه .
و( قوله : مُجبيَةً وغير مُجبيَةٍ ) أي : على وجهها . وقد يقال : ( مجبية ) على ما إذا وضعت يديها على ركبتيها ؛ حكاهما أبو عبيد . و( قوله : غير أن ذلك في صمام واحد ) -بالصاد المهملة - ؛ أي : في جُحْرٍ واحدٍ ؛ يعني به : القُبُل .
وأصل الصمام هو : ما تسدُّ به القارورة .