باب إمضاء الطلاق الثلاث من كلمة
( 3 ) باب إمضاء الطلاق الثلاث من كلمة ( 1472 ) ( 15 ) [1541] عَنْ طَاوُسٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ الطَّلَاقُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَبِي بَكْرٍ ، وَسَنَتَيْنِ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ طَلَاقُ الثَّلَاثِ وَاحِدَةً ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ اسْتَعْجَلُوا فِي أَمْرٍ كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ أَنَاةٌ ، فَلَوْ أَمْضَيْنَاهُ عَلَيْهِمْ فَأَمْضَاهُ عَلَيْهِمْ . ( 3 ) ومن باب : إمضاء الطلاق الثلاث من كلمة ( قوله : كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم طلاق الثلاث واحدة ) وفي الرواية الأخرى : ( إنما كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر ، وثلاثًا من إمارة عمر ) وفي الرواية الثالثة : ( ألم يكن طلاق الثلاث واحدة ، فقال : قد كان ذلك ، فلما كان في عهد عمر تتايع الناس في الطلاق فأجازه عمر عليهم ) تمسَّك بظاهر هذه الروايات شذوذٌ من أهل العلم ، فقالوا : إن طلاق الثلاث في كلمة يقع واحدة ؛ وهم : طاوس ، وبعض أهل الظاهر . وقيل : هو مذهب محمد بن إسحاق ، والحجاج بن أرطاة ، وقيل عنهما : لا يلزم منه شيء .
وهو مذهب مقاتل ، والمشهور عن الحجاج بن أرطاة . وجمهور السَّلف والأئمة : أنَّه لازمٌ واقعٌ ثلاثًا ، ولا فرق بين أن يوقع مجتمعًا في كلمة أو مفرَّقًا في كلمات ، غير أنهم اختلفوا في جواز إيقاعه كما قدمناه . فأما من ذهب : إلى أنه لا يلزم شيء منه - وهو مذهب ابن إسحاق ومقاتل : ففساده ظاهر بدليل الكتاب ، وذلك : أن الله تعالى قال : وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وهذا يَعُم كُلَّ مطلقةٍ خُصَّ منه المطلقة قبل الدخول ، ومن تعتد بالشهور والحمل .
وبقيت متناولة لما بقي . لا يقال : يراد بالمطلقات هنا : الرجعية ؛ بدليل قوله : وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ لأنَّا نقول : ليس ذلك بتخصيص لذلك العموم ، وإنما هو بيانُ حُكْم بعض ما تناوله العموم ، ويدل على ذلك أيضًا قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ وقوله : وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ونحو هذا . ووجه دلالة هذا النمط : أنَّه قد حكم بأن وقوع ما يقال عليه طلاق يقتضي منع الزوج مِمَّا كان له على الزوجة من التصرف ، ويلزمه أحكامً أُخر لا تكون في حالة الزوجية ، ولا يعني بكونه واقعًا إلا ذلك ، وإيقاع الطلاق ثلاثًا يقال عليه طلاق بالاتفاق فتلزم تلك الأحكام .
وقد أشبعنا القول في هذه المسألة في جزء كتبناه في هذه المسألة سؤالاً وجوابًا . ثم حديث ابن عباس هذا يدلُّ ظاهرًا على أنَّه كان الطلاق ثلاثًا واقعًا لازمًا في تلك الأعصار ، فيستدل به عليهم على جهة الإلزام ، وإن كنَّا لا نرى التمسُّك به ؛ لما سنذكره إن شاء الله تعالى . وعلى الجملة فمذهب هذين الرجلين شاذُّ الشاذِّ ، ولا سلف لهم فيه ، ولا بعْد في أن يقال : إن إجماع السَّلف على خلافهما - على ما يتبيَّن مِما نذكره - بَعْدُ عن السَّلف - ، فإنهم كانوا منقسمين إلى من يراه ثلاثًا ، وإلى من يراه واحدة .
والكل متفقون على وقوعه ، والله تعالى أعلم . وأمَّا من ذهب إلى أنَّه واقعٌ واحدةً ؛ فهو أيضًا فاسدٌ . وقد استدل القائلون به على صحته بثلاثة أحاديث : أحدها : حديث ابن عبَّاس هذا .
وثانيها : حديث ابن عمر على رواية من روى : أنَّه طلق امرأته ثلاثًا ، وأنَّه صلى الله عليه وسلم أمره برجعتها ، واحتُسِبَت له واحدة . وثالثها : أن أبا رُكَانَة طلق امرأته ثلاثًا ، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم برجعتها ؛ والرَّجعة تقتضي وقوع واحدة . ولا حجة لهم في شيء من ذلك .
أمَّا حديث ابن عباس ؛ فلا يصح به الاحتجاج لأوجه : أحدها : أنَّه ليس حديثًا مرفوعًا للنبي صلى الله عليه وسلم وإنما ظاهره الإخبار عن أهل عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعصر أبي بكر باتفاقهم على ذلك ، وإجماعهم عليه ، وليس ذلك بصحيح . فأوّل مَنْ خالف ذلك بفتياه ابن عباس . فروى أبو داود من رواية مجاهد عنه قال : كنت عند ابن عباس فجاءه رجل فقال : إنَّه طلق امرأته ثلاثًا .
قال : فسكت حتى ظننت أنَّه رادّها إليه ، ثم قال : ينطلق أحدكم يركب الحموقة ، ثم يقول : يا بن عباس ! يا بن عباس ! قال : وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وإنك لم تتق الله ، فما أجد لك مخرجًا ، عصيت ربك وبانت منك امرأتك . وفي الموطأ عنه : أن رجلاً قال لابن عباس : إني طلقت امرأتي مائة تطليقة . فقال له ابن عباس : طلقت منك بثلاث ، وسبعة وتسعون اتخذتَ بها آيات الله هزوًا .
وقال أبو داود : قول ابن عباس هو : إن طلاق الثلاث يبين من الزوجة ، فلا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره ، مدخولاً بها كانت ، أو غير مدخول بها . ونحوه عن أبي هريرة ، وعبد الله بن عمر . وفي الموطأ : أن رجلاً جاء إلى ابن مسعود ، فقال : إنِّي طلقت امرأتي ثماني تطليقات .
قال ابن مسعود : فماذا قيل لك ؟ قال : قيل لي : إنها بانت منك . قال ابن مسعود : صدقوا ، هو كما يقولون ؛ فهذا يدلُّ على وجود الخلاف فيها في عصر الصحابة ، وأن المشهور عندهم ، المعمول به ، خلاف مقتضى حديث ابن عباس . فبطل التمسَّك به .
الوجه الثاني : لو سلمنا أنه حديث مسند مرفوع للنبي صلى الله عليه وسلم لما كان فيه حجة ؛ لأن ابن عباس هو راوي الحديث ، وقد خالفه بعمله وفتياه . وهذا يدلُّ على ناسخ ثبت عنده ، أو مانع شرعي منعه من العمل . ولا يصح أن يُظَّن به : أنه ترك العمل بما رواه مجانًا أو غالطًا ؛ لما علم من جلالته ، وورعه ، وحفظه ، وتثبته .
قال أبو عمر بن عبد البر - بعد أن ذكر عن ابن عباس فتياه من طرق متعددة بلزوم الطلاق ثلاثًا من كلمة واحدة - : ما كان ابن عباس ليخالف رسول الله صلى الله عليه وسلم والخليفتين ، إلى رأي نفسه . ورواية طاوس وهم وغلط ، لم يُعَرَّج عليها أحدٌ من فقهاء الأمصار بالحجاز ، والعراق ، والشام ، والمشرق ، والمغرب . وقد قيل : إن أبا الصهباء لا يُعرف في موالي ابن عباس .
الوجه الثالث : لو سلمنا كل ما تقدَّم ؛ لَمَا كان فيه حجة ؛ للاضطراب والاختلاف الذي في سنده ومتنه ؛ وذلك : أن أبا الصهباء رواه عن ابن عباس بتلك الألفاظ المختلفة ؛ التي وقعت في كتاب مسلم كما ذكرناها . وقد روى أبو داود من حديث أيوب ، عن غير واحد ، عن طاوس : أن رجلاً يقال له : أبا الصهباء كان كثير السؤال لابن عباس . قال : أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدةً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر ، وصدرًا من خلافة عمر .
فقال ابن عباس : بل كان الرجل إذا طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر ، وصدرًا من خلافة عمر ، فلمَّا رأى الناس تتايعوا فيها قال : أجيزوهُنَّ عليهم . فقد اضطرب فيه أبو الصهباء عن ابن عباس في لفظه كما ترى . وقد اضطرب فيه طاوس .
فمرَّة رواه عن أبي الصهباء ، ومرَّة عن ابن عباس نفسه . ومهما كثر الاختلاف والتناقض ارتفعت الثقة ، لا سيما عند المعارضة على ما يأتي . ثم العَجب : أنَّ معمرًا روى عن ابن طاوس ، عن أبيه : أن ابن عباس سُئل عن رجل طلق امرأته ثلاثًا .
فقال له : لو اتقيت الله لجعل لك مخرجًا . وظاهر هذا أنَّه لا مخرج له من ذلك ، وأنَّها ثلاث . وهذه كرواية الجماعة الكثيرة عن ابن عباس ؛ كسعيد بن جبير ، ومجاهد ، وعطاء ، وعمرو بن دينار ، ومحمد بن إلياس بن البكير ، والنعمان بن أبي عياش ، كلهم روى عنه : أنَّه ثلاث ، وأنها لا تحل له إلا من بعد زوج .
الوجه الرابع : لو سلمنا سلامته من الاضطراب لَمَا صحَّ أن يحتج به ؛ لأنه يلزم منه ما يدلُّ على أن أهل ذلك العصر الكريم كانوا يكثر فيهم إيقاع المحرمات والتساهل فيها ، وترك الإنكار على من يرتكبها . وبيان اللزوم : أن ظاهره أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقع الطلاق الثلاث كثيرًا منهم في عصر النبي صلى الله عليه وسلم وعصر أبي بكر ، وسنتين من خلافة عمر ، أو ثلاث ، ويستفتون علماءهم فيفتونهم بأنه واحدة ، ولا ينكرون عليهم . مع أن الطلاق ثلاثًا في كلمة واحدة محرم بدليل قول ابن عمر ، وابن عباس ، للمطلق ثلاثًا : ( بانت منك ، وعصيت ربك ) .
وبدليل ما رواه ابن عباس ، عن محمود بن لبيد - قال البخاري : له صحبة - قال : أُخْبِرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعًا ، فقام غضبان ، ثم قال : ( أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم ؟ ) هذا يدل على أنه محرم ، ومنكر . فكيف يكثر فيهم العمل بمثل هذا ، ولا ينكرونه ؟! هذا محال على قوم وصفهم الله تعالى بقوله : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ إلى غير ذلك مما وصفهم الله تعالى به . لا يُقال : هذا يبطل بما وقع عندهم من الزِّنا ، والسرقة ، وغير ذلك من الأسباب التي ترتبت عليها الأحكام ؛ لأنا نقول : هذه لما وقعت أنكروا تلك الأمور ، وأقاموا الحدود فيها ، ولم يفعلوا ذلك فيما ذكرناه ، فافترقا ، وصحَّ ما أبديناه .
فإن قيل : لعل تحريم ذلك لم يكن معلومًا عندهم . قلنا : هذا باطل . فإنهم أعرف بالأحاديث ممن بعدهم .
وقد ذكرنا ما روي في ذلك عن ابن عباس وابن عمر ، والله تعالى أعلم . الوجه الخامس : إن ظاهر ذلك الحديث خبر عن جميعهم أو عن معظمهم ، والعادة تقتضي - فيما كان هذا سبيله - أن يفشو ، وينتشر ، ويتواتر نقله ، وتحيل أن ينفرد به الواحد . ولم ينقله عنهم إلا ابن عباس ، ولا عنه إلا أبو الصهباء .
وما رواه طاوس عن ابن عباس في الأصل قد رواه أبو داود عن طاوس عن أبي الصهباء ، عن ابن عباس . ولو رواه عنه لم يخرج بروايته عنه عن كونه خبر واحد غير مشهور . وهذا الوجه يقتضي القطع ببطلان هذا الخبر .
فإن لم يقتض ذلك ؛ فلا أقل من أن يفيدنا الريبة فيه والتوقف ، والله تعالى أعلم . الوجه السادس : تطرُّق التأويل إليه . ولعلمائنا فيه تأويلان : أحدهما : ما قاله بعض البغداديين : إن معناه الإنكار على من يخرج عن سنَّة الطلاق بإيقاع الثلاث ، والإخبار عن تساهل الناس في مخالفة السُّنَّة في الزمان المتأخر عن العصرين السابقين ، فكأنه قال : كان الطلاق الموقع الآن ثلاثًا في ذينك العصرين واحدة ، كما يقال : كان الشجاع الآن جبانًا في عصر الصحابة .
وكان الكريم الآن بخيلاً في ذلك الوقت . فيفيد تغير الحال بالناس . وثانيهما : قال غير البغداديين : المراد بذلك الحديث من تكررَّ الطلاق منه ، فقال : أنت طالق ، أنت طالق ، أنت طالق .
فإنها كانت عندهم محمولة في القدم على التأكيد . فكانت واحدة . وصار الناس بعد ذلك يحملونها على التجديد ، فأُلْزِمُوا ذلك لَمَّا ظهر قصدَهم إليه .
ويشهد بصحة هذا التأويل قول عمر ـ رضي الله عنه ـ : إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة . وقد تأوَّله غير علمائنا على أن ذلك كان في المطلقة قبل الدُّخُول ، كما دلَّ عليه حديث أبي داود ؛ الذي تقدَّم ذكره ، وأبدى بين المدخول بها وغيرها فرقًا . فقال : إنما جعلوه في غير المدخول بها واحدة ؛ لأنها تبين بها ، وكأنَّ هؤلاء أشاروا إلى أن قوله لغير المدخول بها : أنت طالق .
قد أبانها ، وبقي قوله : ثلاثًا . لم يصادف محلاً ، فأجروا المتصل مجرى المنفصل . وهذا ليس بشيء ؛ فإنَّ قوله : أنت طالق ثلاثًا .
كلام واحد متصل غير منفصل . ومن المحال البَيِّن إعطاء الشيء حُكْم نَقِيضِه ، وإلغاء بعض الكلام الواحد . وأشبه هذه التأويلات الثاني على ما قرَّرناه ، والله تعالى أعلم .
هذا الكلام على حديث ابن عباس . وأمَّا حديث ابن عمر : أنَّه طلق امرأته ثلاثًا ، فغير صحيح ، كما قد ذكره مسلم عن ابن سيرين ، كما قدمناه . وأيضًا : فإن الدارقطني روى عن أحمد بن صبيح ، عن طريف بن ناصح ، عن معاوية بن عمار الدُّهْني ، عن أبي الزبير قال : سألت ابن عمر عن رجل طلق امرأته ثلاثًا وهي حائض ؟ فقال لي : أتعرف ابن عمر ؟ قلت : نعم .
قال : طلقت امرأتي ثلاثًا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فردّها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السُّنَّة . قال الدارقطني : كلهم شيعة . وقال غيره : ما فيهم من يحتج به .
وأمَّا حديث أبي رُكَانة فحديث مضطرب ، منقطع ، لا يُسْنَد من وجه يحتج به ؛ رواه أبو داود من حديث ابن جريج عن بعض بني أبي رافع ، وليس فيه من يحتج به ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، وقال فيه : إن عبد يزيد بن ركانة طلق امرأته ثلاثًا ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أرجعها ) . وقد رواه أيضًا من طريق نافع بن عُجَيْر : أن ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته البتة ، فاستحلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أراد بها ؟ فحلف : ما أراد إلا واحدة . فردَّها إليه .
فهذا اضطراب في الاسم والفعل . ولا يحتج بشيء من مثل هذا ، فقد ظهر وتبيَّن : أنَّهم لا حجة لهم في شيء مما تمسَّكوا به . فأمَّا حجة الجمهور : فالتمسَّك بالقاعدة المقررة : أنَّ المطلقة ثلاثًا ، لا تحلُّ لمطلقها حتى تنكح زوجًا غيره .
ولا فرق بين مفرّقها ومجموعها ؛ إذ معناهما واحد لغة وشرعًا . وما يٌتَخَيَّل من الفرق بينهما فصوريٌّ ؛ ألغاه الشرع قطعًا في النكاح ، والعتق ، والإقرار . فلو قال الولي للخاطب في كلمة واحدة : أنكحتك هؤلاء الثلاث ، فقال : قبلت .
لزم النكاح ، كما إذا قال : أنكحتك هذه ، وهذه ، وهذه . وكذلك في العتق ، والإقرار . فكذلك الطلاق .
وقد ذكر الدارقطني جملة من الأحاديث المرفوعة عن عليّ ، وعبادة بن الصامت ، وحفص بن المغيرة ، وابن عمر كلها تقتضي البينونة ، وأنها لا تحلُّ له حتى تنكح زوجًا غيره . ولم يفرِّق فيها بين المدخول بها وغيرها . رأينا ألا نطوِّل بذكرها ، ولا بذكر أسانيدها .
وفيما ذكرناه كفاية ، والله تعالى الموفق للهداية ، وإنما أطنبنا في الكلام على حديث ابن عباس لأن كثيرًا من الجهَّال اغتروا به ، فأحلوا ما حرَّم الله ، فافتروا على الله ، وعلى كتابه ، ورسوله ، ومن أظلم ممن افترى على الله كذبًا ، وعدل عن سبيله . وقول عمر : ( إن النَّاس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة ) أي : مهلة ، وسعة بانتظار الرجعة . وهذا يدل على صحة التأويل الثاني كما ذكرناه .