حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم

باب في قوله تعالى يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك

) باب في قوله تعالى : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ( 1474 ) ( 20 ) [1544] عن عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَمْكُثُ عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ، فَيَشْرَبُ عِنْدَهَا عَسَلًا قَالَتْ: فَتَوَاطَأتُ أَنَا وَحَفْصَةُ أَنَّ أَيَّتَنَا مَا دَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلْتَقُلْ: إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ ، أَكَلْتَ مَغَافِيرَ؟ فَدَخَلَ عَلَى إِحْدَاهُمَا ، فَقَالَتْ ذَلِكَ لَهُ . فَقَالَ: بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ، وَلَنْ أَعُودَ لَهُ . فَنَزَلَ : لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ إِلَى قَوْلِهِ: إِنْ تَتُوبَا إلى الله ( لِعَائِشَةَ وَحَفْصَةَ ) وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا ( لِقَوْلِهِ: بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا ) .

( 4 ) ومن باب : في قوله تعالى : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ( المغافير ) : جمع مُغْفُور ، وهو : صمغ حلو له رائحة كريهة ؛ يخرجه شجر العُرْفُط ، وهو بالحجاز . و( العُرْفُط ) : من شجر العِضَاه ، وهو : كل شجر له شوك . وقيل : تشبه رائحته رائحة النبيذ .

وقيل : إذا رعته الإبل خبثت رائحة ألبانها حتى يتأذى بها الناس . و( جرستْ ) : أكلتْ . يقال : جَرَستِ النحل ، تَجُرسُ جَرْسًا : إذا أكلت لِتَعسِّل .

ويقال للنحل : جوارس ؛ أي : أواكل . و( العكة ) : أصغر من القِرْبَة . وقول سودة : ( لقد كدت أبادئه فرقًا منك ) -بالباء بواحدة- ؛ أي : أبتدئه بالكلام خوفًا من لومك .

وفي رواية ابن الحذَّاء : ( أناديه ) من النداء . وليس بشيء . و( قولها : كان يُحبُّ الحلواء والعسل ) ( الحلواء ) : هي الشيء الْمُسْتَحْلَى ، وهو دليل على استعمال مباحات لذائذ الأطعمة ، والميل إليها ، خلافًا لما يذهب إليه أهلُ التَّعمق والغلوِّ في الدين .

و( قوله : بل شربت عسلاً عند زينب ، ولن أعود له ) زاد البخاري هنا : ( وقد حلفت لا تخبري بذلك أحدًا ) وذلك لئلا يبلغ الأخرى الخبر ، وأنه فعله ابتغاء مرضاة أزواجه ، فيتغير قلبها . وقيل : كان ذلك في قصة مارية ، واستكتامه صلى الله عليه وسلم حفصة : ألا تخبري بذلك عائشة . وقيل : أسرَّ إلى حفصة أن الخليفة بعده أبو بكر ثم عمر .

والصحيح : أنه في العسل . ويعني بقوله : ( لن أعود له ) : على جهة التحريم . وبقوله : ( حلفت ) أي : بالله تعالى ؛ بدليل : أنَّ الله تعالى أنزل عليه معاتبته على ذلك ، وحوالته على كفارة اليمين بقوله تعالى : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ؛ يعني : العسل المحرم بقوله : ( لن أعود له ) تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ ؛ أي : تفعل ذلك طلبًا لرضاهنَّ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ؛ غفور : لما أوجب المعاتبة ، رحيم : برفع المؤاخذة .

﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ؛ أي : قدَّر وبيَّن . والفرض : التقدير . وتحلة اليمين : ما يستحل به الخروج عن اليمين .

وهي التي قال الله تعالى فيها : لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ الآية . والأيمان : جمع يمين . واليمين التي حلف النبي صلى الله عليه وسلم بها هي قوله : ( وقد حلفت لا تخبري بذلك أحدًا ) .

وهذا أصحّ ما قيل في هذه الآية ، وأجوده . وقد روى النسائي من حديث أنس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت له أمة يطؤها ، فلم تزل به عائشة وحفصة حتى حرَّمها ، فأنزل الله تعالى : يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ الآيات . وكأنَّ ابن عباس أشار إلى هذا الحديث حيث قال : إن الرَّجل إذا حرَّم عليه امرأته فهي يمين يكفرها .

وقال : لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ وقد اختلف السَّلف ومن بعدهم في تحريم الزوجة اختلافًا كثيرًا . مجموعه فيما بلغنا أربعة عشر قولاً : أحدها : لا شيء عليه . وبه قال الشعبي ، ومسروق ، وأبو سلمة ، وأصبغ .

وهو عندهم كتحريم الماء والطعام . وثانيها : هي ظهار ، ففيها كفارة ظهار . قاله إسحاق .

وثالثها : كفارة يمين . قاله ابن عباس ، وبعض التابعين . ورابعها : إن نوى الطلاق ؟ فواحدة بائنة ، إلا أن ينوي ثلاثًا ، فإن نوى اثنتين فواحدة ، فإن لم ينو شيئًا ؛ فهي يمين .

وهو قول قاله أبو حنيفة ، وأصحابه . وبمثله قال زُفْر ، إلا أنَّه قال : إذا نوى اثنتين ألزمناه . وخامسها : إن نوى الطلاق ؛ فما أراد من أعداده .

وإن نوى واحدة ؛ فهي رجعية . وهو قول الشافعي . وروي مثله عن أبي بكر ، وعمر ، وغيرهما من الصحابة والتابعين .

وسادسها : إن نوى ثلاثًا فثلاث ، وإن نوى واحدة فواحدة ، وإن نوى يمينًا فهي يمين ، وإن لم ينو شيئًا ؛ فلا شيء عليه . وهو قول سفيان . وبمثله قال الأوزاعي ، وأبو ثور ، إلا أنهما قالا : إن لم ينو شيئًا ؛ فهي واحدة .

وسابعها : له نيّته ، ولا يكون أقل من واحدة . قاله ابن شهاب . وثامنها : هي في المدخول بها ثلاثٌ ، ويُنْوَى في غير المدخول بها .

وهو قول علي بن زيد ، والحكم ، والحسن . وهو مشهور مذهب مالك . وتاسعها : لا ينوى في أقل وإن لم يدخل بها .

قاله عبد الملك في المبسوط . وبه قال ابن أبي ليلى . وعاشرها : هي لمن لم يدخل بها واحدة ، وفي المدخول بها : ثلاث .

قاله أبو مصعب ، ومحمد بن عبد الحكم . وحادي عشرها : هي واحدة بائنة وإن كانت مدخولاً بها . حكاه ابن خويز منداد عن مالك .

وثاني عشرها : هي واحدة رجعية . حكاه ابن سحنون عن عبد العزيز بن سلمة . وقد تداخل في العدد الذي ذكرنا قولا زفر ، والأوزاعي .

فالأقوال أربعة عشر . وسبب هذا الاختلاف العظيم : أنَّه ليس في كتاب الله الكريم ، ولا سنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم نصٌّ ، ولا ظاهرٌ صحيح يعتمد عليه في هذه المسألة ، فتجَاذَبَها الفقهاءُ لذلك . فمن متمسِّك بالبراءة الأصلية ، فقال : لا حكم ، فلا يلزم بها شيء .

ومن ملحق لهذه الكلمة بأصل يعتمده . فواحدٌ يلحقها بالظهار ، وآخر يلحقها بالنذر المطلق . وآخر يرى أنها قابلة للنية مطلقا ، أو في غير المدخول بها .

وأصحابنا يحتجّون لمشهور مذهبهم بعرفٍ ثبتَ عندهم صيَّرها من كنايات الطلاق الظاهرة . والله تعالى أعلم . وهذا كله في الزوجة .

وأما في الأمة : فلا يلزم فيها شيء من ذلك كله ، إلا أن ينوي به العتق عند مالك . وذهب عامة العلماء : إلى أن عليه كفارة يمين ، وكأنهم تمسَّكوا بحديث أنس الْمُتقدِّم . وقال أبو حنيفة : إذا قال ذلك حَرُمَ عليه كل ما حَرَّمَ على نفسه من طعام ، أو شراب ، أو أمة .

ولا شيء عليه حتى إذا تناوله لزمه كفارة يمين . وأُمُّ الولد كالأمة على ما تقدَّم . و( قوله تعالى : وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا هو قوله لحفصة : ( بل شربتُ عسلاً ، وقد حلفت : لا تخبري أحدًا ) على ما تقدم في حديث البخاري .

وقيل : هو تحريمه مارية على ما تقدَّم في حديث النسائي . وقيل غير ذلك . وهذان القولان أحسن ما قيل في ذلك .

و( قوله : فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ ؛ أي : حديث حفصة حين أفشت ما أمرها بإسراره النبي صلى الله عليه وسلم و وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ ؛ أي : أطْلَعَ الله تعالى نبيه على ذلك الحديث . عَرَّفَ بَعْضَهُ مشدَّدًا ، وهي القراءة المشهورة ؛ أي : عاتبها على ذلك . وأعرض عن بعضه ، فلم يبالغ في المعاتبة عملاً بمكارم الأخلاق ، وحسن المصاحبة .

وقرأه الكسائي بتخفيف الراء ، من : ( عَرَفَ ) ومعناه : جازى عليه ؛ بأن غضب . يقال : عرفتُ حقَّك ؛ أي : جازيتُك عليه . و( لأعرفنَّ حقك ) بمعناه .

وقال الضحاك : إن الذي أعرض عنه حديث الخلافة لئلا ينتشر . وهذا بناه : على أنَّه هو الحديث الذي أسرَّه لحفصة . وهذا القول ليس بشيء ؛ إذ لم يثبت بذلك نقل ، ولم يدلّ عليه عقل .

بل النقل الصحيح ما ذكرناه . و( قوله : فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ ؛ يعني : أن النبي صلى الله عليه وسلم أعلم حفصة بالخبر الذي أفشته ، فقالت مستفهمة عمن أعلمه بذلك : مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا ؟ وكأنها خَطَر ببالها أن أحدًا من أزواجه أو غيرهن أخبره . فأجابها بأن قال : نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ ؛ أي : العليم بالسرائر ، الخبير بما تجنُّه الضمائر .

ثم قال تعالى : إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ؛ يخاطب عائشة وحفصة ، وهذا يدلُّ على أن الصحيح من الروايات رواية من روى أن هذه القصة إنما جرت لعائشة وحفصة ؛ لأجل العسل الذي شرب عند زينب ، أو لأجل مارية ، وأنهما هما اللتان تظاهرتا عليه ، كما جاء نصًّا من حديث ابن عبَّاس عن عمر على ما يأتي . وهو رواية حجاج بن محمد ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، عن عبيد بن عمر ، عن عائشة . وأمَّا رواية أبي أسامة التي ذكر فيها : أن المتظاهرات عليه : عائشة وسودة وصفية ؛ فليست بصحيحة ؛ لأنها مخالفة للتلاوة ؛ فإنها جاءت بلفظ خطاب الاثنتين .

ولو كان كذلك لجاءت بخطاب جماعة المؤنث . قال أبو محمد الأصيلي : حديث الحجاج أصحّ طرقه . وهو أولى بظاهر الكتاب .

قال غيره : انقلبت الأسماء في حديث أبي أسامة ، والله تعالى أعلم . و صَغَتْ قُلُوبُكُمَا مالت عن الحق . وأراد قلب عائشة وحفصة .

وعدل إلى لفظ الجمع استثقالاً للجمع بين تَثْنِيَتَيْن ، وقد جمع بينهما من قال : ظَهْرَاهُمَا مثل ظُهورِ التُّرْسَيْن . و( قوله : وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ ؛ أي : تعاونا عليه بما تواطأتما عليه في العسل أو في مارية فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ ؛ أي : وليه ، ومعينه ، وكافيه ، فلا يضره من كاده ، أو من تعاون عليه . والوقف على مولاه ، حسن ، ويُبْتَدَئ : وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ؛ أي : بعد تولي الله له .

ظَهِيرٌ أي : مُعِينون له على ما يصلحه ، ويحفظه ، ويوافقه . و ظهير وإن كان واحدًا ؛ فمعناه الجمع . وقيل : كل واحد ظهير ؛ كما قال تعالى : ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلا ؛ أي : كل واحد منكم طفلاً .

و وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ؛ أحسن ما قيل فيه : أبو بكر ، وعمر رضي الله عنهما ، ومن جرى مجراهما ممن سبق إسلامه ، وظهر غناؤه . وقيل : كان حق وَصَالِحُ أن يكتب بالواو ، ولكنهم حذفوها ، ليوافق الخطُّ اللفظ . ويحتمل أن يقال : وَصَالِحُ مفرد ، لكنه سُلِك به مسلك الجنس ، والله تعالى أعلم .

ثم بالغ الله تعالى في تأديب أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وتهديدهن بقوله : عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ ؛ أي : منقادات بالإسلام والاستسلام . مُؤْمِنَاتٍ ؛ أي : مصدقات بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ملازمات أحوال المؤمنين به من التعظيم والاحترام . قَانِتَاتٍ خاضعات لله بالعبودية ، ولرسوله بإيثار الطَّواعية على الغيرة النفسية .

عَابِدَاتٍ يقمن لله بما له عليهن من العبادة ، وبما لك عليهن من الحرمة والخدمة . سَائِحَاتٍ ابن عباس : صائمات ، زيد بن أسلم : مهاجرات ، من السياحة في الأرض . ويمكن أن يقال : مسرعات إلى ما يرضيك ، ذاهبات فيه ، فلا يشتغلن بسوى ذلك ؛ لأن من ساح في الأرض فقد ذهب فيها ، وانقطع إلى غيرها .

ثَيِّبَاتٍ جمع ثيب . قيل : يعني بذلك : آسية امرأة فرعون . وَأَبْكَارًا جمع بكر .

قيل : يعني بذلك : مريم . وفيه نظر وبُعْدٌ . وما ذكرناه في هذه الآية إشارة إلى المختار .

والأقوال فيها أكثر مما ذكرناه . فلنقتصر على ذلك القدر ، والله تعالى الموفق .

ورد في أحاديث17 حديثًا
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث