باب تحسين صحبة ملك اليمين والتغليظ على سيده في لطمه
) باب تحسين صحبة ملك اليمين ، والتغليظ على سيده في لطمه ، أو ضربه في غير حد ولا أدب ، أو قذفه بالزنا ( 1657 ) [1579] عَنْ زَاذَانَ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ دَعَا بِغُلَامٍ لَهُ ، فَرَأَى بِظَهْرِهِ أَثَرًا فَقَالَ لَهُ: أَوْجَعْتُكَ؟ قَالَ: لَا ، قَالَ: فَأَنْتَ عَتِيقٌ . قَالَ: ثُمَّ أَخَذَ شَيْئًا مِنْ الْأَرْضِ فَقَالَ: مَا لِي فِيهِ مِنْ الْأَجْرِ مَا يَزِنُ هَذَا ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ ضَرَبَ غُلَامًا لَهُ حَدًّا لَمْ يَأْتِهِ أَوْ لَطَمَهُ ، فَإِنَّ كَفَّارَتَهُ أَنْ يُعْتِقَهُ . ( 1658 ) [1580] وعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ: لَطَمْتُ مَوْلًى لَنَا ، فَهَرَبْتُ ثُمَّ جِئْتُ قُبَلَ الظُّهْرِ فَصَلَّيْتُ خَلْفَ أَبِي ، فَدَعَاهُ وَدَعَانِي ، ثُمَّ قَالَ: امْتَثِلْ مِنْهُ ، فَعَفَا ثُمَّ قَالَ: كُنَّا بَنِي مُقَرِّنٍ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ لَنَا إِلَّا خَادِمٌ وَاحِدَةٌ ، فَلَطَمَهَا أَحَدُنَا ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أَعْتِقُوهَا .
قَالَوا: لَيْسَ لَهُمْ خَادِمٌ غَيْرُهَا ، قَالَ: فَلْيَسْتَخْدِمُوهَا ، فَإِذَا اسْتَغْنَوْا عَنْهَا فَلْيُخَلُّوا سَبِيلَهَا . ( 6 ) ومن باب : تحسين صحبة المماليك كان ضرب ابن عمر رضي الله عنهما لعبده أدبًا على جناية ، غير أنه أفرط في أدبه بحسب الغضب البشري ، حتى جاوز مقدار الأدب ، ولذلك أثر الضرب في ظهره . وعندما تحقق ذلك رأى : أنه لا يخرجه مما وقع فيه إلا عتقه ، فأعتقه بنيّة الكفارة ، ثم فهم أن الكفارة غايتها إذا قبلت أن تكفر إثم الجناية ، فيخرج الجاني رأسًا برأس ، لا أجر ، ولا وزر ، ولذلك قال ابن عمر رضي الله عنهما : ( ما لي فيه من الأجر شيء ) .
و( قوله صلى الله عليه وسلم : ( من ضرب غلامه له حدًّا لم يأته ، أو لطمه ، فإن كفارته أن يعتقه ) ظاهر هذا الحديث والأحاديث المذكورة بعده : أن من لطم عبده ، أو تعدَّى في ضربه وجب عليه عتقه لأجل ذلك . ولا أعلم من قال بذلك . غير أن أصول أهل الظاهر تقتضي ذلك .
وإنما اختلف العلماء فيمن مَثَّل بعبده مُثلة ظاهرة ، مثل قطع يده ، أو فقء عينه . فقال مالك ، والليث : يجب عليه عتقه . وهل يعتق بالحكم ، أو بنفس وقوع المثلة ؟ قولان لمالك .
وذهب الجمهور : إلى أن ذلك لا يجب . وسبب الخلاف اختلافهم في تصحيح ما روي من ذلك من قوله صلى الله عليه وسلم : ( من مثل بعبده عتق عليه ) . قلت : ومحمل الحديث الأول عند العلماء على التغليظ على من لطم عبده ، أو تعدَى في ضربه لينزجر السَّادة عن ذلك .
فمن وقع منه ذلك أثم ، وأمر بأن يرفع يده عن ملكه عقوبة ، كما رفع يده عليه ظلمًا . ومحمله عندهم على الندب ، وهو الصحيح ؛ بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم لبني مقرِّن حين أمرهم بعتق الملطومة ، فقالوا : ليس لنا خادم غيرها ، فقال : ( استخدموها ، فإذا استغنيتم عنها فخلوا سبيلها ) . فلو وجب العتق بنفس اللطم لحرم الاستخدام ؛ لأنها كانت تكون حرَّة ، واستخدام الحر بغير رضاه حرام .
فمقصود هذه الأحاديث-والله أعلم- : أن من تعدَّى على عبده أثم ، فإن أعتقه يكفر أجر عتقه إثم تعديه ، وصارت الجناية كأن لم تكن ، ومع ذلك : فلا يقضى عليه بذلك ؛ إذ ليس بواجب ، على ما تقدَّم .