باب إطعام المملوك مما يأكل ولباسه مما يلبس ولا يكلف ما يغلبه
( 7 ) باب إطعام المملوك مما يأكل ولباسه مما يلبس ، ولا يكلف ما يغلبه ( 1661 ) [1585] عَنْ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ: مَرَرْنَا بِأَبِي ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ وَعَلَى غُلَامِهِ مِثْلُهُ ، فَقُلْنَا: يَا أَبَا ذَرٍّ ، لَوْ جَمَعْتَ بَيْنَهُمَا كَانَتْ حُلَّةً ، فَقَالَ: إِنَّهُ كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنْ إِخْوَانِي كَلَامٌ ، وَكَانَتْ أُمُّهُ أَعْجَمِيَّةً ، فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ ، فَشَكَانِي إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَقِيتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ ، إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ . قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَنْ سَبَّ الرِّجَالَ سَبُّوا أَبَاهُ وَأُمَّهُ ، قَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ ، إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ ، هُمْ إِخْوَانُكُمْ ، جَعَلَهُمْ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ ، فَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ ، وَأَلْبِسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ . وفي رواية : بَعْدَ قَوْلِهِ: ( إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ ) قَالَ: قُلْتُ: عَلَى حَالِ سَاعَتِي مِنْ الْكِبَرِ ، قَالَ: نَعَمْ .
وفي رواية : فَإِنْ كَلَّفَهُ مَا يَغْلِبُهُ فَلْيَبِعْهُ . وفي أخرى : فَلْيُعِنْهُ . ج٤ / ص٣٥١( 7 ) ومن باب : إطعام المملوك قد تقدَّم تفسير ( الْحُلَّة ) .
( قوله : كان بيني وبين رجل من إخواني ) يعني به : عبده . وأطلق عليه أنه من إخوانه لقوله صلى الله عليه وسلم : ( إخوانكم خولكم ) ولأنه أخ في الدِّين . و( قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذرٍّ : ( إنك امرؤ فيك جاهلية ) أي : خصلة من خصالهم ، يعني بها : تعيير عبده بأمه .
فإن الجاهلية كانوا يعيِّرون بالآباء والأمهات ، وذلك شيء أذهبه الإسلام بقوله تعالى : إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ وبقوله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله أذهب عنكم عبية الجاهلية ، وفخرها بالآباء . الناس كلهم بنو آدم ، وآدم خلق من تراب ) . ج٤ / ص٣٥٢و( قول أبي ذر : على حال ساعتي من الكبر ) استبعاد منه أن يبقى فيه شيء من خصال الجاهلية مع كبر سنِّه ، وطول عمره في الإسلام ، فلما أخبره النبي صلى الله عليه وسلم ببقاء ذلك عليه زال استبعاده ، ووجب تسليمه لذلك القول وانقياده .
و( قوله : فأطعموهم مِمَّا تأكلون ، وألبسوهم مِمَّا تلبسون ) أي : من نوع ما تأكلون وما تلبسون . وهذا الأمر على الندب ؛ لأن السَّيد لو أطعم عبده أدنى مما يأكله ، وألبسه أقل مما يلبسه - صفةً ومقدارًا - لم يذمَّه أحدٌ من أهل الإسلام ؛ إذ قام بواجبه عليه ، ولا خلاف في ذلك فيما علمته . وإنما موضع الذمِّ : إذا منعه ما يقوم به أوده ، ويدفع به ضرورته ، كما نصَّ عليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : ( كفى بالمرء إثْمًا أن يحبس عمن يملك قوتهم ) .
وإنما هذا على جهة الحض على مكارم الأخلاق ، وإرشادٌ إلى الإحسان ، وإلى سلوك طريق التواضع حتى لا يرى لنفسه مزية على عبده ؛ إذ الكل عبيد الله ، والمال مال الله ، ولكن سَخَّر بعضهم لبعض ، وملَّك بعضهم بعضًا ؛ إتمامًا للنعمة ، وتقعيدا للحكمة . و( قوله : ولا تكلّفوهم ما يغلبهم ) أي : لا تكلفوهم ما لا يطيقونه . وهو نهيٌّ ، وظاهره التحريم .
و( قوله : فإن كلفتموهم فأعينوهم ) أي : إن أخطأتم فوقع ذلك منكم ، فارفعوا عنهم ذلك ؛ بأن تعينوهم على ذلك العمل ، فإن لم يمكنكم ذلك فبيعوهم ؛ كما جاء في الرواية الأخرى : ( ممن يرفق بهم ) .