باب في وضع الجائحة
) باب في وضع الجائحة ( 1554 ) [1642] عَنْ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَوْ بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَرًا فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ ، فَلَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا ، بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيكَ بِغَيْرِ حَقٍّ؟ ( 1554 ) ( 17 ) [1643] وعنه أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ . ( 16 ) ومن باب : وضع الجوائح ( قوله : لو بعت من أخيك ثمرًا ، فأصابته جائحة ، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا ، بم تأخذ مال أخيك بغير حق ) دليل واضح على وجوب إسقاط ما أُجيج من الثمرة عن المشتري . ولا يلتفت إلى قول من قال : إن ذلك لم يثبت مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإنما ثبت من قول أنس ؛ لأن ذلك ليس بصحيح ؛ بل الصحيح : رَفْعُ ذلك من حديث جابر وأنس .
على ما ذكرناه في الأصل ، واعتضد ذلك بأمره صلى الله عليه وسلم بوضع الجوائح . وقد اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال : أحدها : لا يوضع منها شيء عن المشتري ؛ لأنها كلها في ضمانه بالشراء . وبه قال الشافعي في الجديد .
وثانيها : أنها توضع عنه ، قليلها ، وكثيرها . وبه قال أحمد بن حنبل ، وأبو عبيد القاسم بن سلام . وبه قال الشافعي في القديم .
وثالثها : الفرق بين أن تأتي الجائحة على الثلث فأكثر ، فتوضع عن المشتري ، أو على أقل من الثلث ، فلا توضع ، وتكون منه ، وهو قول مالك وأصحابه . حجة القول الأول : حديث أبي سعيد الخدري ؛ الذي قال فيه : أصيب رجل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمار ابتاعها ، فكثر دينه ، فتصدَّق الناس عليه ، فلم يبلغ ذلك وفاء دينه . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لغرمائه : ( خذوا ما وجدتم ، وليس لكم إلا ذلك ) .
وهذا واضح في أنه أُجيحت الثمرة ، ولم يوضع منها شيء عن المشتري ، ويعضد هذا : بأنه قد أقبضه ؛ إذ قد خلَّى بينه وبينها . وذلك هو قبضها ، فإن قبض كل شيء بحسبه . وقد انفصل أصحابنا عن هذا الحديث : بأن الأحاديث المتقدِّمة أولى لوجهين : أحدهما : أنها ذكرت لبيان القاعدة وحكمها .
وهذا الحديث واقعة معينة . فالأول أولى . وثانيهما : أنه يحتمل أن يكون اشترى تلك الثمرة بعد تناهي طيبها ، وإذ ذاك لا تحتاج إلى تبقية ، ولا إلى سَقي ، فيكون ضمانها من المشتري على كل حال .
حجة القول الثاني : ما تقدَّم من الحديث . ويعضد ذلك : بأنها بقي فيها حق توفية . فكأنها لم تقبض .
وذلك : أنها محتاجة إلى بقائها إلى تكامل طيبها على أصولها ؛ إذ بقي على البائع سقيها إلى انتهائها ، فكان ذلك كالتوفية بالكيل والوزن . فما بيع من ذلك فهلك قبل كيله ووزنه ، فمصيبته من بائعه قولاً واحدًا . وأما تفريق مالك بين القليل والكثير فوجهه : أن القليل معلوم الوقوع ، بحكم العادة ؛ إذ لا بدَّ من سقوط شيء منه ، وعفنه ، وتتريبه .
فكأن المشتري دخل عليه ، ورضي به ، وليس كذلك الكثير . فإنه لم يدخل عليه . فلما افترق الحال في العادة فينبغي أن يفترق في الحكم .
وإذا لم يكن بُدٌّ من فرق بينهما ، فالقليل ما دون الثلث . والكثير : الثلث فما زاد ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : ( الثلث ، والثلث كثير ، أو كبير ) . ثم هل يعتبر ثلث مكيله الثمرة ، أو ثلث الثمن ؟ قولان : الأول لابن القاسم .
والثاني لأشهب . وقد اعتذر لأبي حنيفة رحمه الله تعالى عن الأمر بوضع الجوائح : بأن ذلك إنما كان في حق من باع الثمرة قبل بدوِّ الصلاح ، كما كانوا يفعلون قبل النهي عن ذلك . وأجيب بأن ذلك تخصيص لا دليل عليه .
فإن الأمر بوضع الجوائح عام . وأيضًا : فقوله صلى الله عليه وسلم : ( لو بعت من أخيك ثمرًا . ) يدل على البيع الشرعي ، لا الممنوع .
فكيف يذكر البيع الفاسد ، ولا ينهى عنه ، ولا يبين فساده ، ثم يعدل عنه في إبطاله إلى أمر خارج عنه ؛ فظاهر هذا الحديث : أن هذا البيع وقع صحيحًا . وذلك لا يكون إلا بعد الزهو ، ثم طرأت الجائحة . فعلل منع حِلِّيَةِ المال بها .
وحاصل ما ذكرنا : أن الأمر بوضع الجائحة يتضمن صحة بيع ما توضع فيه الجائحة لا إفساده . وهذا واضح لمن تأمَّله .