باب بيع البعير واستثناء حملانه
( 32 ) باب بيع البعير واستثناء حملانه ( 715 ) ( 109 - 117 ) [1691] عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَتَلَاحَقَ بِي وَتَحْتِي نَاضِحٌ لِي قَدْ أَعْيَا فلَا يَكَادُ يَسِيرُ ، قَالَ: فَقَالَ لِي: مَا لِبَعِيرِكَ؟ . قَالَ: قُلْتُ: عَلِيلٌ ، قَالَ: فَتَخَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَزَجَرَهُ وَدَعَا ، فَمَا زَالَ بَيْنَ يَدَيْ الْإِبِلِ قُدَّامَهَا يَسِيرُ ، قَالَ: فَقَالَ لِي: كَيْفَ تَرَى بَعِيرَكَ . قَالَ: قُلْتُ بِخَيْرٍ ، قَدْ أَصَابَتْهُ بَرَكَتُكَ ، قَالَ: أَفَتَبِيعُنِيهِ؟ .
فَاسْتَحْيَيْتُ ، وَلَمْ يَكُنْ لَنَا نَاضِحٌ غَيْرُهُ ، قَالَ: نَعَمْ ، فَبِعْتُهُ إِيَّاهُ ، في رواية : بأوقية ، عَلَى أَنَّ لِي فَقَارَ ظَهْرِهِ حَتَّى أَبْلُغَ الْمَدِينَةَ ، قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي عَرُوسٌ ، فَاسْتَأْذَنْتُهُ فَأَذِنَ لِي ، فَتَقَدَّمْتُ إِلَى الْمَدِينَةِ حَتَّى انْتَهَيْتُ ، فَلَقِيَنِي خَالِي فَسَأَلَنِي عَنْ الْبَعِيرِ ، فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا صَنَعْتُ فِيهِ ، فَلَامَنِي فِيهِ ، قَالَ: وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِي حِينَ اسْتَأْذَنْتُهُ: مَا تَزَوَّجْتَ ، أَبِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا؟ فَقُلْتُ لَهُ: تَزَوَّجْتُ ثَيِّبًا ، قَالَ: أَفَلَا تَزَوَّجْتَ بِكْرًا تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ؟ . وذكر نحو ما تقدم ، قَالَ: فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ غَدَوْتُ بِالْبَعِيرِ ، فَأَعْطَانِي ثَمَنَهُ وَرَدَّهُ عَلَيَّ . وفي رواية : فَلَمَّا قَدِمْنا الْمَدِينَةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِبِلَالٍ: أَعْطِهِ أُوقِيَّةً مِنْ ذَهَبٍ ، وَزِدْهُ .
قَالَ فَأَعْطَانِي أُوقِيَّةً مِنْ ذَهَبٍ وَزَادَنِي قِيرَاطًا ، قَالَ: فَقُلْتُ: لَا تُفَارِقُنِي زِيَادَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ: فَكَانَ فِي كِيسٍ لِي ، فَأَخَذَهُ أَهْلُ الشَّامِ يَوْمَ الْحَرَّةِ . وفي أخرى : فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَتُرَانِي مَاكَسْتُكَ لِآخُذَ جَمَلَكَ؟ خُذْ جَمَلَكَ وَدَرَاهِمَكَ فَهُوَ لَكَ . وفي أخرى : قَالَ: فَنَخَسَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ قَالَ: ارْكَبْ بِاسْمِ اللَّهِ .
وَقَالَ: فَمَا زَالَ يَزِيدُنِي وَيَقُولُ: وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَكَ . اختلفت الروايات في كم كان ثمن الجمل ، ففي بعضها : أوقية ، وفي بعضها : أوقيتان ودرهم ، أو درهمان ، وفي بعضها : خمس أواق ، وكلها ثابت في الأم . ( 32 ) ومن باب : بيع البعير البعير من الإبل بمنزلة الإنسان من الناس .
يقال للجمل : بعير . وللناقة : بعير . تقول العرب : صرعني بعيرك .
وشربت من لبن بعيري . وإنما يقال له بعير : إذا أجذع ، والجمع : أبعرة ، وأباعر ، وبعران . حديث جابر هذا : كثرت طرقه ، واختلفت روايته ، وألفاظه ، وخصوصًا ثمن الجمل .
فقد اضطربت فيه الرواة اضطرابًا لا يقبل التلفيق . وتكلُّف ذلك بعيدٌ عن التحقيق . ومع ذلك فهو حديث عظيم ، فيه أبواب من الفقه ، أكثرها واضحة .
فلنقصد إلى إيضاح ما يمكن أن يخفى منها ؛ فمنها : ( قوله : أفتبيعنيه ) دليل على جواز مساومة من لم يعرض سلعته للبيع . و( قوله : فبعته بأوقية على أن لي فقار ظهره إلى المدينة ) وفي الأخرى : ( فقال : لك ظهره إلى المدينة ) . وهذا صريحٌ في جواز بيع الدابة واستثناء ركوبها .
وقال به ابن شبرمة وغيره من الناس . ومنعه أبو حنيفة ، والشافعي أخذًا بنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع وشرط . ورأوا : أن هذا النهي أولى من حديث جابر .
إما لأنَّه ناسخ له ، أو مرجَّح عليه . وقال مالك : يجوز ذلك إذا كانت المسافة قريبة معلومة . وحمل هذا الحديث عليه .
وقد اختلفوا في جواز البيع والشرط . فصحَّحهما ابن شبرمة ، وأبطلهما أبو حنيفة . وصحح ابن أبي ليلى البيع وأبطل الشرط تمسُّكًا بحديث بريرة المتقدم .
وأما مالك رحمه الله فيحمل النهي عن بيع وشرط عنده على شرط يناقض مقصود العقد . كقوله : أبيعك هذه الجارية على ألا تطأها . أو : على ألا تبيع .
وما شاكل ذلك . فجمع بين الأحاديث . وهي طريقته في القديم والحديث .
و( فقار الظهر ) : كناية عن ركوب الظهر . ومنه : أفقرت الرجل : إذا أعرته ذلك . والفقار : جمع فقارة ، وهي : خرزات الصلب .
و( الناضح ) : الذي يستقى عليه الماء . وقد تقدَّم أيضًا الكلام على ما تضمنه هذا الحديث من ذكر النكاح في كتابه . و( المماكسة ) هي : الكلام في مناقصة الثمن .
و( قوله لبلال : أعطه وزده ) دليل : على صحة الوكالة ، وعلى جواز الزيادة في القضاء . وهي من باب قوله صلى الله عليه وسلم : ( إن خيركم أحسنكم قضاءً ) وهذا لا يختلف فيه إذا كان من بيع . وإنما يختلف فيه إذا كان من قرض .
فاتفق على جوازه في الزيادة في الصفة ؛ إذا كان بغير شرط ، ولا عادة . وزاد أصحابنا : ولا قصد من المقرض للزيادة ، لقوله صلى الله عليه وسلم : ( كل قرض جرَّ نفعًا فهو ربا ) . وأما الزيادة في العدد والوزن ، فمنعها مالك في مجلس القضاء حسمًا للذريعة .
وأجازها ابن حبيب . ولم يختلف في جواز ذلك ؛ إذا كانت الزيادة بعد مجلس القضاء . و( قوله : أعطه أوقية من ذهب ) قال أبو جعفر الداودي : ليس لأوقية الذهب وزن يعرف .
وأما أوقية الفضة : فأربعون درهمًا . وفيه دليل على أن وزن الثمن وكَيْله على المشتري ، كما أنه على البائع إذا كان المبيع مما يكال ، أو يوزن . ولأن على كل واحد منهما أن يسلِّم ما لزمه دفعه .
ولا يتحقق التسليم إلا بذلك . و( قوله : وزادني قيراطًا ) وفي أخرى : ( درهمًا أو درهمين ) هذا اضطراب ، وقد تكلَّف القاضي أبو الفضل الجمع بين هذه الروايات المختلفة التي في الثمن ، وفي الزيادة ، تكلُّفًا مبنيًا على تقدير أمر لم يصح نقله ، ولا استقام ضبطه ، مع أنه لا يتعلَّق بتحقيق ذلك حكم ، ولا يفيد حكمة . والحاصل : أنَّه باعه البعير بثمن معلوم لهما ، وزاده عند القضاء زيادة محققة ، ولا يضرنا جهلنا بمقدار ذلك .
و( قوله : خذ جملك ودراهمك ، فهو لك ) هذا يدلُّ على أن هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم عطية مبتدأة بعد صحة شرائه ، وملكه للبعير . وهذا مبطل لتأويل بعض الشافعية في هذا الحديث ؛ إذ قال : إن ذلك لم يكن من النبي صلى الله عليه وسلم شراء للبعير ، ولا بيعًا من جابر حقيقة . وهذا من قائله تغيير وتحريف ، لا تأويل .
وكيف يقبل هذا التأويل مع قوله : ( أتبيعنيه بأوقية ) فقال : قد بعته منك بأوقية ، على أن لي ظهره إلى المدينة . بعد المماكسة . وهذا نصٌّ لا يقبل التأويل .
وكذلك قوله : ( فهو لك ) بعد قوله : ( خذ جملك ودراهمك ) وذلك واضح لمن تأمل أفراد تلك الكلمات ومركّباتها . و( قوله : أتراني ماكستك لكي آخذ جملك ) بكسر لام كي ، ونصب الفعل المضارع بعدها . كذا لجميع الرواة .
وقُيِّد على أبي بحر . ( لا ، خذ جملك ) على ( لا ) النافية ، و( خذ ) على الأمر . والمعنيان واضحان .
و( قوله : فما زال يزيدني ) يدلُّ على أنه زاده بعد القيراط شيئًا آخر . ولعلها : الدرهم ، والدرهمان اللذان قال في الرواية الأخرى . و( قوله : والله يغفر لك ) قال أبو نضرة : وكانت كلمة يقولها المسلمون : افعل كذا ، والله يغفر لك .
قلت : وهو كلام يخرجه فرط المحبة ، والشفقة ، وإرادة الخير للمسلمين ، وهو على معنى الدعاء . و( قوله : اركب باسم الله ) دليل : على استحباب التبرك باسم الله عند افتتاح كل فعل ، وإن كان من المباحات ، فليس مخصوصًا بالقرب ، فإنه كما قال صلى الله عليه وسلم في الوضوء : ( توضئوا باسم الله ) قال هنا في الركوب : ( اركب باسم الله ) .