باب الاستقراض وحسن القضاء فيه
( 33 ) باب الاستقراض وحسن القضاء فيه ( 1600 ) [1692] عَنْ أَبِي رَافِعٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَسْلَفَ مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا ، فَقَدِمَتْ عَلَيْهِ إِبِلٌ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ ، فَأَمَرَ أَبَا رَافِعٍ أَنْ يَقْضِيَ الرَّجُلَ بَكْرَهُ ، فَرَجَعَ إِلَيْهِ أَبُو رَافِعٍ فَقَالَ: لَمْ أَجِدْ فِيهَا إِلَّا خِيَارًا رَبَاعِيًا ، فَقَالَ له: أَعْطِهِ إِيَّاهُ ، إِنَّ خِيَارَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً . ( 33 ) ومن باب : جواز الاستقراض وحسن القضاء فيه ( قوله : استسلف بَكْرًا ) استسلف : طلب السَّلف ، وهو القرض . ويدل : على جواز الأخذ بالدَّين ، ولا يختلف العلماء في جواز سؤاله عند الحاجة إليه ، ج٤ / ص٥٠٦ولا نقص على طالبه ، ولا تثريب ، ولا منة تلحق فيه .
ولو كان فيه شيء من ذلك لما استسلف النبي صلى الله عليه وسلم ، فإنه كان أنزه الناس ، وأبعدهم عن تلك الأمور . و( البَكْر ) : الفتي من الإبل ، وهو فيها كالغلام في الرجال . والقلوص فيها : كالجارية في النساء .
وخيار الإبل والشيء : أحسنه ، وأفضله . و( الرباعي ) : هو الذي في السَّنَة السابعة ؛ لأنَّه يُلقي فيها رباعيته . وهي التي تلي الثنايا .
وهي أربع رباعيات - مخفَّفة الياء- والذكر : رباع . والأنثى : رباعية . وهذا الحديث دليل على جواز قرض الحيوان .
وهو مذهب الجمهور . ومنع ذلك الكوفيون .
وهذا الحديث الصحيح حجة عليهم.
واستثنى من الحيوان أكثر العلماء الجواري . فمنعوا قرضهن ؛ لأنه يؤدي إلى عارية الفروج . وأجاز ذلك بعض أصحابنا بشرط أن يردَّ غيرها .
وأجاز ذلك مطلقا الطبري ، والمزني ، وداود الأصبهاني . وقصر بعض الظاهرية جواز القرض على ما لا مثل من المعيَّن ، والمكيل ، والموزون . وهذا الحديث حجة عليهم .
واختلف أرباب التأويل في استسلاف النبي صلى الله عليه وسلم هذا البَكْر ، وقضائه عنه من مال الصدقة . هل كان ذلك السَّلف لنفسه ، أو لغيره ؟ فمنهم من قال : كان لنفسه ، وكان هذا قبل أن تحرم عليه الصدقة . وهذا فاسد ؛ فإنه صلى الله عليه وسلم لم تزل الصدقة محرمة عليه منذ قدوم المدينة .
وكان ذلك من خصائصه ، ومن جملة علاماته المذكورة في الكتب المتقدَّمة ؛ بدليل قصة سلمان الفارسي ، فإنه عند قدوم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة جاءه سلمان بتمر ، فقدَّمه إليه ، وقال : كُل ، فقال : ( ما هذا ؟ ) فقال : صدقة . ج٤ / ص٥٠٧فقال لأصحابه : ( كلوا ) ولم يأكل . وأتاه يومًا آخر بتمر وقال : هدية ، فأكل .
فقال سلمان : هذه واحدة . ثم رأى خاتم النبوَّة فأسلم . وهذا واضح .
وقيل : استسلفه لغيره ممن يستحق أخذ الصدقة ، فلما جاءت إبل الصدقة دفع منها . وقد استبعد هذا من حيث : إنه قضاء أزيد من القرض من مال الصدقة . وقال : ( إن خيركم أحسنكم قضاء ) فكيف يعطي زيادة من مال ليس له ؟ ويجعل ذلك من باب حسن القضاء ؟! وقد أجيب عن هذا : بأن قيل : كان الذي استقرض منه من أهل الصدقة ، فدفع الرُّباعي بوجهين : بوجه القرض ، وبوجه الاستحقاق .
وقيل وجه ثالث ، وهو أحسنها ، إن شاء الله تعالى . وهو : أن يكون استقرض البَكْر على ذمته ، فدفعه لمستحق ، فكان غارمًا ، فلما جاءت إبل الصدقة أخذ منها بما هو غارم جملاً رباعيًا ، فدفعه فيما كان عليه ، فكان أداء عمَّا في ذمته وحسن قضاء بما يملكه . وهذا كما روي : أنه صلى الله عليه وسلم أمر ابن عمرو أن يجهز جيشًا ، فنفدت الإبل ، فأمره أن يأخذ على قلائص الصدقة .
فظاهره : أنَّه أخذ على ذمَّته . فبقي أن يقال : فكيف يجوز له أن يؤدِّي دينه ، ويبرئ ذمته مِمَّا لا يجوز له أخذه . ويجاب عنه : بأنه لَمَّا لم يأخذه لنفسه صار بمنزلة من ضمنه في ذمته إلى وقت مجيء الصدقة .
فلو لم يجئ من إبل الصدقة شيء لضمنه لمقرضه من ماله ، والله أعلم . وقد تقدَّم الكلام على الزيادة في القضاء . ج٤ / ص٥٠٨فإن قيل : كيف شغل النبي صلى الله عليه وسلم ذمَّته بدين ، وقد قال : ( إياكم والدَّين ، فإنه شين ، الدَّين هَمٌّ بالليل ، ومذلة بالنهار ) وقد كان كثيرًا ما يتعوَّذ منه ، حتى قيل له : ما أكثر ما تستعيذ من المغرم .
فقال : ( إن الرَّجل إذا غرم حدَّث فكذب ، ووعد فأخلف ) . لا يقال : إنما استقرض عند الحاجة والضرورة ؛ لأنا نقول : لم يكن في ضرورة إلى ذلك ،
فإن ، كما رواه الترمذي من حديث أبي أمامة ، واستحسنه؛ ومن كانت هذه حاله لم يكن في ضرورة ، ولا حاجة . ولذلك قال الله تعالى له : وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى قلت : أما الأخذ بالدَّين عند الحاجة ، وقصد الأداء عند الوجدان : فلا يختلف في جوازه .
وقد يجب في بعض الأوقات عند الضرورات المتعينة . وأما النهي عن أخذه -إن صحَّ - : فإنما ذلك لمن لم تدعه إليه حاجة ، لما يطرأ من تحمله من الأمور التي ذكرتها ، من الإذلال ، والمطالبة ، وما يخاف من الكذب في الحديث ، والإخلاف في الوعد . وقد عصم الله نبينا صلى الله عليه وسلم من ذلك كله ، فلم يحوجه إلى شيء من ذلك ، ولا أجراه عليه .
وأما قولهم : إنه لم يكن في ضرورة ؛ لأن الله خيَّره . فجوابه : إن الله تعالى لما خيَّره ، فاختار أن يجوع ثلاثًا ، ويشبع يومًا ؟ أجرى الله تعالى عليه ما اختاره لنفسه ، وما أشار إليه به صفيَّه ، ونصيحه جبريل صلى الله عليهما وسلم ، فسلك الله تعالى به من ذلك أعلى السبيل ، ليصبر على المشقات والشدائد ، كما صبر أولو العزم من الرسل ، ولينال أعلى المقامات ج٤ / ص٥٠٩الفاخرة . ألا تسمع قوله لعمر ـ رضي الله عنه ـ : ( أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة ؟ ) ثم لَمَّا أخلص الله جوهره .
وطيَّب خُبْرَهُ وخَبَرَهُ ؛ أغناه بعد العيلة ، وكثَّره بعد القلة ، وأعزه به بعد الذلة . ومن تمام الحكمة في أخذه صلى الله عليه وسلم بالدِّيون ليقتدَي به في ذلك المحتاجون .