باب فيمن نذر المشي إلى الكعبة
( 3 ) باب فيمن نذر أن يمشي إلى الكعبة ( 1642 ) [1742] عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى شَيْخًا يُهَادَى بَيْنَ ابْنَيْهِ قَالَ: مَا بَالُ هَذَا؟ قَالَوا: نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ ، فقَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ لَغَنِيٌّ . وَأَمَرَهُ أَنْ يَرْكَبَ . ( 1643 ) [1743] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَدْرَكَ شَيْخًا يَمْشِي بَيْنَ ابْنَيْهِ يَتَوَكَّأُ عَلَيْهِمَا ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا شَأْنُ هَذَا؟ قَالَ ابْنَاهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَانَ عَلَيْهِ نَذْرٌ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ارْكَبْ أَيُّهَا الشَّيْخُ ، فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكَ وَعَنْ نَذْرِكَ .
( 1644 ) [1744] وعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّهُ قَالَ: نَذَرَتْ أُخْتِي أَنْ تَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ حَافِيَةً ، فَأَمَرَتْنِي أَنْ أَسْتَفْتِيَ لَهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَاسْتَفْتَيْتُهُ ، فَقَالَ: لِتَمْشِ وَلْتَرْكَبْ . ( 3 ) ومن باب : نذر المشي إلى بيت الله ( قوله : إنه رأى شيخًا يهادى بين رجلين ) أي : يمشي بينهما متوكئًا عليهما ، كما فسَّره في الرواية الثانية . وكان يفعل ذلك لضعفه عن المشي .
وفي هذا الحديث وحديث أخت عقبة المذكور بعد هذا - وهو أنصُّ مما قبله- ؛ دليل على أن نذر المشي إلى البيت الحرام يجب الوفاء به لمن قدر عليه ، فإن لم يقدر وجب عليه المضي راكبًا . وظاهرهما : لزوم المشي ، وإن لم يذكر حجًّا ولا عمرة ، كما هو مذهب مالك ؛ لأنه لما سأله عقبة عمَّن نذر المشي إلى البيت مطلقا ، فأجاب عنه ، ولم يستفصل ، تعيَّن حملُ الجواب على إطلاق ذلك السؤال ؛ إذ لو اختلف الحال بقيدٍ لسأل عنه ، أو لبيَّنه ؛ إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة . وإلى هذا ذهب الشافعي .
وهو مروي عن عليّ ، وابن عباس . وقال أبو حنيفة : إن لم يسم حجًّا ولا عمرة لم يلزمه مشيٌ ، ولا شيء جملة واحدة . وقال الحسن البصري : إن نذر حجًّا أو عمرة فلا مشي عليه ، ويركب وعليه دم .
وقاله أبو حنيفة أيضًا . والحجة عليهما ما تقدَّم . و( قوله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله عن تعذيب هذا نفسه لغني ) أي : لم يكلفه بذلك ، ولم يحوجه إليه ؛ لأنه غير مستطيع .
وفي اللفظ الآخر : ( إن الله لغني عنك وعن نذرك ) أي : عن مشيك الذي لا تستطيعه ، لا أنَّ أصل النذر يسقط عنه ؛ فإنَّه قد أمره بالرُّكوب . وخرجت هذه العبارة على ما تعارفناه بيننا : من أنَّ من استغنى عن شيء لم يلتفت إليه ، ولم يعبأ به . وكيف لا ، والله تعالى هو الغني الحميد ، وكل الموجودات مفتقرة إليه افتقار ضعفاء العبيد .
وظاهر حديث هذا الشيخ : أنَّه كان قد عجز عن المشي في الحال ، وفيما يأتي بعد ، ولذلك لم يقل له النبي صلى الله عليه وسلم ما قال لأخت عقبة : ( مُرْها فلتمش ولتركب ) فإنَّها كانت ممن يقدر على بعض المشي ، فأمرها أن تركب ما عجزت عنه ، وتمشي ما قدرت عليه . وهذا هو المناسب لقواعد الشريعة . ولم يذكر لواحد منهما وجوب دم عليه ، ولا ذكر لأخت عقبة وجوب الرُّجوع لتمشي ما ركبته .
فأمَّا من يئس عن المشي فلا رجوع عليه قولاً واحدًا ، ولا يلزمه دم ؛ إذ لم يخاطب بالمشي ، فيكون الدَّم بدله ، وإنما هو استحباب عند مالك . وأمَّا من خوطب بالمشي فركب لموجب مرض ، أو عجز : فيجب عليه الهدي عند الجمهور . وقال الشافعي : لا يجب عليه الهدي ، ويختار له الهدي .
وروي عن ابن الزبير : أنه لم يجعل عليه هديًا ؛ متمسِّكًا بما قررناه من الظاهر . وقد تمسَّك الجمهور بزيادةٍ زادها أبو داود والطحاوي في حديث عقبة ، وهذا لفظه : قال عقبة بن عامر : أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره : أن أخته نذرت أن تمشي إلى الكعبة حافية ناشرة شعرها . فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ( مرها فلتركب ، ولتختمر ، ولتهد هديًا ) .
وعند أبي داود : بدنة ، وليس فيه : ناشرة شعرها . وزيادة الهدي قد رواها عن النبي صلى الله عليه وسلم مع عقبة بن عامر ابنُ عبَّاس . ورواها عنهما الثقات ، فلا سبيل إلى ردَّها .
وليس سكوت من سكت عنها حجة على من نطق بها . وقد عمل بها الجماهير من السلف وغيرهم . ثم هل يجب عليه مع الهدي الرجوع فيمشي ما ركبه أم لا ؟ اختلف فيه : فقيل : لا يجب عليه مطلقا .
وإليه ذهب الشافعي ، وأهل الكوفة ، وهذا أحد قولي ابن عمر . وقيل : يرجع ، وإليه ذهب سلف أهل المدينة ، وابن الزبير ، وهو القول الآخر عن ابن عمر . وفرَّق مالك فقال : إن كان المشي يسيرًا لم يرجع ، ويرجع في الكثير ، ما لم يرجع لبلده البعيدة ، فيكفيه الدَّم .
قلت : والتمسَّك بحديث عقبة في ترك إيجاب الرُّجوع ظاهر ، وعمل سلف أهل المدينة باهر . و( قوله : إن الشيخ نذر أن يمشي ) يعني به : إلى بيت الله ؛ لأنَّه عرَّف المشي ، كما قال عقبة : إن أخته نذرت أن تمشي إلى بيت الله . وقال الطحاوي : إلى الكعبة .
ولم يرد فيما صحَّ من الحديث أكثر من هذين اللفظين : بيت الله ، والكعبة . وألحق العلماء بهما ما في معناهما ، مثل أن يقول : إلى مكة ، أو ذكر جزءًا من البيت . وهذا قول مالك وأصحابه .
واختلف أصحابه فيما إذا قال : إلى الحرم ، ، أو مكانًا من مدينة مكة ، أو المسجد . هل يرجع إلى البيت أم لا ؟ على قولين . وقال الشافعي : من قال : عليَّ المشي إلى شيء مما يشتمل عليه الحرم ؛ لزمه .
وإن ذكر ما خرج عنه ، لم يلزمه . وبه قال أبو يوسف ، ومحمد بن الحسن ، وابن حبيب من أصحابنا ، إلا إذا ذكر عرفات ؛ فيلزمه وإن كانت خارج الحرم . وقال أبو حنيفة : لا يلزمه في هذا مشي ولا مسير في القياس ، لكن الاستحسان في قوله : إلى بيت الله ، أو الكعبة ، أو مكة فقط .
وكل هذا إذا ذكر المشي ، فلو قال : علي المسير إلى مكة ، أو الانطلاق ، أو الذهاب ؛ فلا شيء عليه ؛ إلا أن يقول : في حجٍّ ، أو عمرةٍ ، أو ينويهما . وتردد قول مالك في الرُّكوب ، وأوجب أشهب الحج والعمرة فيهما ، كالمشي . وكل هذا : إذا ذكر مكة ، أو موضعًا منها على ما فصلناه .
فلو قال : عليَّ المشي إلى مسجد من المساجد الثلاثة لم يلزمه المشي عند ابن القاسم ، بل المضي إليها . وقال ابن وهب : يلزمه المشي . وهو القياس .
ولو قال : إلى مسجد غير هذه الثلاثة ، قال ابن الموَّاز : إن كان قريبًا كالأميال ، لزمه المشي إليه ، وإن كان بعيدًا لم يلزمه .