باب النهي عن الحلف بالطواغي ومن حلف باللات فليقل لا إله إلا الله
( 1647 ) [1749] وعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ حَلَفَ مِنْكُمْ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ: بِاللَّاتِ ، فَلْيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ تَعَالَ أُقَامِرْكَ فَلْيَتَصَدَّقْ . و( قوله : من قال : واللات ؛ فليقل : لا إله إلا الله ) اللات ، والعزى ، ومناة : أصنام ثلاثة كانت في جوف الكعبة . وقيل : كانت اللات بالطائف .
والعزى بغطفان ، وهي التي هدمها خالد بن الوليد . ومناة بقديد . وقيل بالمشلل .
فأمَّا اللات فقيل : إنَّهم أرادوا به تأنيث اسم الله تعالى . وقيل : أرادوا أن يسموا بعض آلهتهم باسم الله تعالى ، فصرف الله ألسنتهم عن ذلك ؛ فقالوا : اللات ؛ صيانة لذلك الاسم العظيم أن يُسمَّى به غيره ، كما صرف ألسنتهم عن نسب محمد صلى الله عليه وسلم إلى : مُذَمَّم ، فكانوا إذا تكلموا باسمه في غير السَّبِّ قالوا : محمَّد ، فإذا أرادوا أن يسبُّوه قالوا : مُذَمَّم . حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ألا تعجبون ! مِمَّا صرف الله عني من أذى قريش ، يسبون مذمَّمًا ، وأنا مُحمَّد ) .
ولَمَّا نشأ القوم على تعظيم تلك الأصنام ، وعلى الحلف بها ، وأنعم الله عليهم بالإسلام بقيت تلك الأسماء تجري على ج٤ / ص٦٢٦ألسنتهم من غير قصد للحلف بها ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم من نطق بذلك أن يقول بعده : لا إله إلا الله ؛ تكفيرًا لتلك اللفظة ، وتذكيرًا من الغفلة وإتمامًا للنعمة . وخص اللات بالذكر في هذا الحديث لأنها كانت أكثر ما كانت تجري على ألسنتهم . وحكم غيرها من أسماء آلهتهم حكمها ؛ إذ لا فرق بينها .
والعزى : تأنيث الأعز ، كالْجُلَّى : تأنيث الأجل . و( قوله : من قال : تعال أقامرُك فليتصدق ) القول فيه كالقول في اللات ؛ لأنهم كانوا اعتادوا المقامرة . وهي من أكل المال بالباطل .
ولما ذمَّها النبي صلى الله عليه وسلم بالغ في الزجر عنها ، وعن ذكرها ، حتَّى إذا ذكرها الإنسان طالبًا للمقامرة بها ؛ أمره بصدقة . والظاهر : وجوبها عليه ؛ لأنها كفارةٌ مأمور بها ، وكذلك قول : لا إله إلا الله ؛ على من قال : واللات . ثم هذه الصَّدقة غير محدودة ، ولا مقدَّرة ، فيتصدق بما تيسَّر له مِمَّا يصدق عليه الاسم .
كالحال في صدقة مناجاة الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى : إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً فإنها غير مقدَّرة . وقال الخطابي : يتصدَّق بقدر ما أراد أن يقامر به ، وليس في اللفظ ما يدل عليه ، ولا في قواعد الشرع ، ولا للعقل مجال في تقدير الكفارات . فهو تحكم .
وأبعد من هذا قول من قال من الحنفية : إن المراد بها : كفارة اليمين . وهذا فاسد قطعًا ؛ لأن كفارة اليمين ما هي صدقة فقط ، بل عتق ، أو كسوة ، أو إطعام ، فإن لم يجد فصيام . فكيف يصح أن يقال : أطلق الصدقة ، وهو يريد به إطعام عشرة مساكين ، وأنه مخيَّر بينه وبين غيره من الخصال المذكورة معه في الآية ؛ وأيضًا : ج٤ / ص٦٢٧فإنه لا يتمشى على أصل الحنفية المتقدم الذكر ، فإنهم قالوا : لا تجب الكفارة إلا بالحنث في قوله : هو يهودي ، أو نصراني ، إلى غير ذلك مما ذكروه .
وهذا حكم معلَّق على نطق بقول ليس فيه يمين ، ولا التزام ، وإنما هو استدعاء للمقامرة . فأين الأرض من السماء ؟ والعرش من الثَّرى ؟