باب من حلف على يمين فرأى خيرًا منها فليكفر
( 1651 ) ( 15 ) [1752] وعَنْ تَمِيمِ بْنِ طَرَفَةَ قَالَ: جَاءَ سَائِلٌ إِلَى عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ فَسَأَلَهُ نَفَقَةً فِي ثَمَنِ خَادِمٍ أَوْ فِي بَعْضِ ثَمَنِ خَادِمٍ ، فَقَالَ: لَيْسَ عِنْدِي مَا أُعْطِيكَ ، إِلَّا دِرْعِي وَمِغْفَرِي ، قَالَ: فَأَكْتُبُ إِلَى أَهْلِي أَنْ يُعْطُوكَهَا . قَالَ: فَلَمْ يَرْضَ ، فَغَضِبَ عَدِيٌّ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أُعْطِيكَ شَيْئًا . ثُمَّ إِنَّ الرَّجُلَ رَضِيَ ، فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ ثُمَّ رَأَى أَتْقَى لِلَّهِ مِنْهَا ، فَلْيَأْتِ التَّقْوَى مَا حَنَّثْتُ يَمِينِي .
( 1651 ) ( 17 و 18 ) [1753] وعنه ، قَالَ: سَمِعْتُ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ ، وَأَتَاهُ رَجُلٌ يَسْأَلُهُ مِائَةَ دِرْهَمٍ ، قَالَ: تَسْأَلُنِي مِائَةَ دِرْهَمٍ وَأَنَا ابْنُ حَاتِمٍ ، وَاللَّهِ لَا أُعْطِيكَ ، ثُمَّ قَالَ: لَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ ، ثُمَّ رَأَى خَيْرًا مِنْهَا ، فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ . وفي رواية : فَرَأَى خَيْرًا مِنْهَا فَلْيُكَفِّرْهَا وَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ . وهو الذي أشار إليه في حديث عدي ، حيث قال : ( فليأت التقوى ) .
وقد يكون من حيث المصلحة الراجحة الدنيويَّة التي تطرأ عليه بسبب تركها حرجٌ ومشقَّةٌ . وهي التي أشار إليها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : ( لأن يلج أحدكم بيمينه آثم له عند الله من أن يكفر ) يعني بذلك : أن استمراره على مقتضى يمينه إذا أفضى به إلى الحرج - وهو المشقة - قد يفضي به إلى أن يأثم ، فالأولى به أن يفعل ما شرع الله له من تحنيثه نفسه وفعل الكفارة . وغضب عدي في الحديث الأول ويمينه سببهما : أن الرَّجل السائل لم يرض بالدِّرع والمغفر مع أنه لم يكن عنده غيرهما .
ويمينه في الحديث الثاني وما يفهم من غضبه فيه سببه فيما يظهر من مساق الحديث : أن عديًّا استقل ما سُئِل منه . ألا ترى قوله : تسألني مائة درهم ، وأنا ابن حاتم ؟! فكأنه قال : تسألني هذا الشيء اليسير وأنا من عرفت ؛ أي : نحن معروفون ببذل الكثير . فهذا سبب غير السبب ج٤ / ص٦٣٣الأول .
هذا ظاهر الحديث ، غير أن القاضي عياضا قال : معنى قوله عندي : وأنا ابن حاتم ؛ أي : قد عُرِفت بالجود ، وورثتُهُ ، ولا يمكنني ردَّ سائلٍ إلا لعذر ، وقد سأله ويعلم : أنه ليس عنده ما يعطيه ، فكأنه أراد أن يبخله . فلذلك قال : والله لا أعطيك ؛ إذ لم يعذره . قلت : وهذا المعنى إنما يليق بالحديث الأول ، لا بالثاني .
فتأمَّلهما . وفيه من الفقه : أن اليمين في الغضب لازمة كما تقدم .