حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم

باب ما يخاف من اللجاج في اليمين وفيمن نذر قربة في الجاهلية

( 1656 ) ( 27 و 28 ) [1758] وعَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ؟ قَالَ: فَأَوْفِ بِنَذْرِكَ . وفي رواية : إِنِّي نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ يَوْمًا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، فَكَيْفَ تَرَى؟ قَالَ: اذْهَبْ فَاعْتَكِفْ يَوْمًا . ج٤ / ص٦٤٤وقول عمر : ( إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة ) ، وفي الرواية الأخرى : ( يومًا في المسجد الحرام ) .

فقال : ( أوف بنذرك ) ظاهره : لزوم نذر الكافر إذا أوجبه على نفسه في حال كفره ؛ إذا كان من نوع القرب ؛ التي يوجبها المسلمون ، غير أنه لا يصح منه إيقاعه في حالة كفره لعدم شرط الأداء ؛ الذي هو الإسلام . فأمَّا إذا أسلم وجب عليه الوفاء . وبذلك قال الشافعي ، وأبو ثور ، والمغيرة المخزومي ، والبخاري ، والطبري .

ورأوا أن قوله صلى الله عليه وسلم : ( أوف بنذرك ) على الوجوب . وذهب مالك ، والكوفيون : إلى أنَّه لا يلزمه شيء من ذلك ؛ لا عتق ، ولا صوم ، ولا اعتكاف ؛ لعدم تصوُّر نيَّة القربة منهم حالة كفرهم . واعتذروا عن ظاهر الحديث : بأن قول عمر : نذرت في الجاهلية .

إنما يريد : في أيام الجاهلية ، لا أنه كان هو في الجاهلية . ومنهم من قال : إن هذا الأمر على جهة النَّدب . قلت : والاعتذاران ضعيفان ؛ لأنهما خلاف الظاهر من مساق الحديث ، ومن ظاهر الأمر .

وأما قولهم : لا يلزمهم شيء من نذر تلك القرب ؛ لأنه لا تصح نيَّة التقرُّب منهم ؛ فقول لا يصبر على السبر ؛ لأنا نقول : لا يلزم من كون العبادة لا تصحُّ من المكلَّف إلا أن يكون مخاطبًا بها ؛ لأنَّا نجوز التكليف بالمشروط حالة عدم شرطه الممكن التحصيل . كما يؤمر الكافر بالإيمان بالرُّسول حالة عدم معرفة المرسل ، والمحدث في الصلاة حالة الحدث ، والبعيد عن مكة بالحج . وسر هذا : أنه لما كانت هذه الشروط ممكنة التحصيل للمكلَّف ؛ أُمِر بفعل المشروط .

ج٤ / ص٦٤٥ويتضمن ذلك الأمر الأمر بتحصيل ما لا يصح ذلك المشروط إلا به . وهذه مسألة خطاب الكفار بفروع الشريعة . وقد ذكرنا في أصول الفقه : أن الصحيح أنهم مخاطبون بها ، وأنه الصحيح من مذهب مالك وغيره من العلماء .

وعلى هذا : فيلزم الكافر ما نذره في حال كفره ، كما هو الظاهر من حديث عمر ـ رضي الله عنه ـ هذا . وكذلك يلزمه عتق ما أعتق ، وصدقة ما تصدَّق به . فإن أسلم صحَّت له تلك الأعمال كلّها ، وأُثيب عليها ، كما هو الظاهر من قوله صلى الله عليه وسلم لحكيم بن حزام : ( أسلمتَ على ما أسلفتَ عليه من خير ) .

ومالك - حيث لم يلزمه بشيء - إنما بناه على القول الآخر عنه : في أن الكفار ليسوا مخاطبين بالفروع . والصحيح المشهور من مذهبه ، ومذهب أصحابه : أنهم مخاطبون بها . وعلى هذا : يخرج من مذهبه قول آخر في إلزام الكفار ما التزموه من النَّذر والعتق في حالة الكفر .

والله تعالى أعلم . و( قوله : أنه نذر أن يعتكف ليلة ) يحتجُّ به من يجيز الاعتكاف بالليل وبغير صوم . ولا حجة له فيه ؛ لأنه قد قال في الرواية الأخرى : ( أنَّه نذر أن يعتكف ج٤ / ص٦٤٦يومًا ) والقصة واحدة .

فدلَّ مجموع الروايتين : على أنَّه نذر يومًا وليلة ، غير أنه أفرد أحدهما بالذكر لدلالته على الآخر ، من حيث : إنهما تلازما في الفعل ، ولهذا قال مالك : إن أقل الاعتكاف يومٌ وليلةٌ ، فلو نذر أحدهما لزمه تكميله بالآخر . ولو سلمنا : أنَّه لم يجئ لليوم ذكر لما كان في تخصيص الليلة بالذكر حجة ؛ لإمكان حمل ذلك الاعتكاف على المجاورة ؛ فإنَّها تُسمَّى اعتكافًا لغةً . وهي تصحُّ بالليل والنهار ، وبصوم وبغير صوم .

والله تعالى أعلم .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث