باب في كيفية القسامة وأحكامها
) كتاب القسامة والقصاص والديات ( 1 ) باب في كيفية القسامة وأحكامها 1669 - [1759] عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ: أَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْ رِجَالٍ مِنْ كُبَرَاءِ قَوْمِهِ : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ، وَمُحَيِّصَةَ خَرَجَا إِلَى خَيْبَرَ مِنْ جَهْدٍ أَصَابَهُمْ ، فَأَتَى مُحَيِّصَةُ فَأَخْبَرَ : أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ قَدْ قُتِلَ ، فطُرِحَ فِي عَيْنٍ أَوْ فَقِيرٍ، فَأَتَى يَهُودَ فَقَالَ: أَنْتُمْ وَاللَّهِ قَتَلْتُمُوهُ، قَالَوا: وَاللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ حَتَّى قَدِمَ عَلَى قَوْمِهِ ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُمْ ، ثُمَّ أَقْبَلَ هُوَ وَأَخُوهُ حُوَيِّصَةُ ، - وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ - وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ ، فَذَهَبَ مُحَيِّصَةُ لِيَتَكَلَّمَ - وَهُوَ الَّذِي كَانَ بِخَيْبَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمُحَيِّصَةَ : كَبِّرْ كَبِّرْ . يُرِيدُ السِّنَّ - فَتَكَلَّمَ حُوَيِّصَةُ، ثُمَّ تَكَلَّمَ مُحَيِّصَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِمَّا أَنْ يَدُوا صَاحِبَكُمْ، وَإِمَّا أَنْ يُؤْذِنُوا بِحَرْبٍ . فَكَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ، فَكَتَبُوا: إِنَّا وَاللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ ......... .
، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحُوَيِّصَةَ، وَمُحَيِّصَةَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ؟ . قَالَوا: لَا والله . وفي رواية : فقالوا : يا رسول الله ! ما شهدنا ، ولا حضرنا .
قَالَ: فَتَحْلِفُ لَكُمْ يَهُودُ . قَالَوا: لَيْسُوا بِمُسْلِمِينَ . فَوَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عِنْدِهِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِائَةَ نَاقَةٍ حمراء ، حَتَّى أُدْخِلَتْ عَلَيْهِمْ الدَّارَ، فَقَالَ سَهْلٌ: فَلَقَدْ رَكَضَتْنِي مِنْهَا نَاقَةٌ حَمْرَاءُ .
وفي رواية : فقالوا : يا رسول الله ! ( كيف نقبل أيمان قوم كفار ؟ ) بدل : ( ليسوا بمسلمين ) . وفي أخرى : فكره رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يبطل دمه ، فوداه مائة من إبل الصدقة . ( 22 ) كتاب القسامة والقصاص ( 1 ) ومن باب : كيفية القسامة وأحكامها في الصِّحاح : يقال : أقسمت : حلفت .
وأصله من القسامة ، وهي : الأيمانُ تُقْسَمُ على الأولياء في الدَّم . والقَسَمُ - بالتحريك - : اليمين . وكذلك : الْمَقْسَم .
وهو المصدر . مثل : الْمَخْرَج . والْمَقْسَم أيضًا : موضع القسم .
قال زهير : ................... . بِمَقْسَمةٍ تَمُورُ بها الدِّماءُ [ يعني : بمكة ] . ( قوله : فأتى مُحَيِّصةُ فقال : أنتم والله قتلتموه ) ظاهره : أنَّه لم يكن هناك لوثٌ يستند إليه في دعواه على اليهود إلا كون القتيل وجد في محلَّتِهم وقريتهم .
وإلى هذا ذهب أبو حنيفة ، والثوري ، ومعظم الكوفيين . فرأوا : أن ذلك لوثٌ يوجب القسامة ، ولم يروا لوثًا غيره تمسُّكًا بهذا الحديث . ولم ير الجمهور : مالك ، والشافعي ، والليث ، وأحمد ، وداود ، وغيرهم ، ذلك لوثًا موجبًا للقسامة ، والقتيل هَدْر ؛ لأنه قد يقتل الرَّجلُ الرَّجل ويلقيه في محلَّة القوم لِيُلَطِّخَهُم به ، غير أن الشافعي قال : إلا أن يكون مثل القصة التي حكم فيها النبي - صلى الله عليه وسلم - في خيبر ، فتجبُ فيها القسامة ؛ لما بين اليهود والأنصار من العداوة ، ولأنه لم يكن هنالك سواهم ؛ ولأن عبد الله خرج بعد العصر ، فوُجد قتيلًا قبل الليل .
ونحوه قال أحمد . وقد تأول النسائي هذا على مالك . قلت : وحاصل ما قال هؤلاء : إن هذه القضية اجتمعت فيها قرائن غير كون القتيل وجد في محلتهم ، وإنَّ المحلَّة لم تنفرد باللوث ، بل مجموع ما أبدوه من القرائن .
وما قالوه صحيح ؛ إذ لا مُعيّن ، ولا مخصص ، ولا ما يدل على إلغاء ما أبدوه . وقد اختلف العلماء في الأمور التي تكون لوثًا . ومجموع ما اختلف فيه من ذلك سبعة أمور : أحدها : المحلَّة ، وقد ذكرناها .
وثانيها : قول القتيل : دمي عند فلان . أو فلان قتلني عمدًا . أو ضربني ؛ وجد به أثر ، أو لم يوجد .
فقال مالك ، والليث : إنه لوث يوجب القسامة . قال مالك : إنه مِمَّا اجتمع عليه في الحديث والقديم ، وروي عن عبد الملك بن مروان . وشَرَط بعض أصحاب مالك وجود الأثر والجرح ، وتمسَّك مالك في ذلك بقصّة قتيل بقرة بني إسرائيل ، فإنَّه لَمَّا حيي القتيل قال : فلان قتلني .
فاعتمد على ذلك ، وبأن المسلم الْمُشْرِف على الموت لا يُتَّهم بكذبٍ يُسْفَكُ به دمُ مسلم عند آخر عهده بالدنيا ، فظاهر حاله الصدق . وقد خالفه في ذلك سائر العلماء ، ولم يروا شيئًا من ذلك لوثا . وثالثها : شهادة غير البيِّنة القاطعة .
ولم يختلف قول مالك ، والشافعي ، والليث : في أن الشاهد الواحد العدل ولفيف الناس لوث ؛ واختلف قول مالك في الواحد غير العدل ، وفي المرأة . هل ذلك لوث ، أم لا ؟ وجعل الليث وربيعة ويحيى بن سعيد شهادة النِّساء ، والعبيد ، والذميين لوثًا . وقال بعض أصحابنا : شهادة النِّساء والصبيان لوث .
وأباه أكثرهم . ورابعها : أن يشهد شاهدان على الجرح ، ثمَّ يحيا المجروح حياة بيِّنة ، ثم يموت . فذلك لوث يوجب القسامة عند مالك ، وأصحابه ، واللَّيث .
واختلف عندنا فيما إذا شهد بالجرح شاهد واحد ؛ هل يوجب ذلك قسامة ، أم لا ؟ على قولين ، والأصح : أنها لا تجب إلا بشاهدين . ولم ير الشافعي ، ولا أبو حنيفة في هذا قسامة ، بل القصاص من غير قسامة . وخامسها : وجود المتهم عند المقتول ، أو قربه ، أو آتيًا من جهته وعليه آثار القتل من التلطُّخ بالدَّم وشبهه .
فهو لوث عند مالك . وقال الشافعي نحوه . قال : وذلك : إذا لم يوجد هنالك أحد به أثر ، ولا سَبُع .
قال : ولو وجد في بيت ، أو دار ، أو صحراء قتيل ليس فيها أحدٌ سواهم فيتفرقون عن قتيل . فهذا كلُّه شبهة توجب القسامة . وسادسها : فئتان تقتتلان ، فيوجد بينهما قتيل ؛ ففيه روايتان : إحداهما : أن أولياءه يقسمون على من يدَّعون عليه ، أو من يدَّعي عليه المقتول ؛ كان من الفئتين ، أو غيرهم .
والأخرى : لا قسامة فيه في هذه الوجوه ، وفيه الدِّية على الطائفة التي نازعت طائفته ؛ إن كان منها ، وعلى الطائفتين إن كان من غيرهما ، وبالقسامة في هذا قال الشافعي . وقال أحمد وإسحاق : عقله على الفئة المنازعة ؛ فإن عيّنوا رجلًا ؛ ففيه القسامة . وسابعها : الميِّت في مزاحمة الناس .
قال الشافعي : تجب بذلك القسامة ، وتكون فيه الدِّية . وعند مالك : هو هدر . وقال إسحاق ، والثوري : ديته على بيت المال .
وروي مثله عن عمر ، وعلي - رضي الله عنهما - ، وقال الحسن ، والزهري : ديته على من حضر . وقوله : ( ثم أقبل هو وأخوه حُوَيِّصَة ) يعني به : مُحَيِّصَة . وهما ابنا مسعود بن زيد .
والمشهور في حُوَيْصَة ومُحَيِّصَة تخفيف الياء . وقد رويا بكسر الياء وتشديدها . وعلى الوجهين فهما مصغران ، والمقتول : عبد الله بن سهل بن زيد ، وأخوه عبد الرحمن بن سهل ، فالأربعة بنو عم ، بعضهم لبعض .
وإنَّما تقدم مُحَيِّصَة بالكلام لكونه كان بخيبر حين قُتل عبد الله ، غير أنه كان أصغر سنًّا من حُوَيِّصَة ؛ ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( كَبِّر ، كَبِّر ) أي : قدِّم للكلام قبلك من هو أكبر سنًّا منك . فتقدم حويصةُ ، وكأنه كان أكبر منه ومن عبد الرحمن أخي المقتول . ففيه من الفقه : أن المشتركين في طلب حقّ ينبغي لهم أن يقدِّموا للكلام واحدًا منهم ، وأحقهم لذلك أسنُّهم ؛ إذا كانت له أهلية القيام بذلك .
وهذا كما قال في الإمام : فإن كانوا في الفقه سواءً فأقدمهم سنًّا . وقد قدَّمنا أنَّ كبر السنِّ لم يستحق التقديمَ إلا من حيث القدم في الإسلام ، والسبق إليه ، والعلم به ، وممارسة أعماله وأحواله ، والفقه فيه ، ولو كان الشيخُ عَرِيًّا عن ذلك لاستحق التأخير ، ولكان المتصفُ بذلك هو المستحق للتقديم - وإن كان شابا - ، وقد قدِم وفدٌ على عمر بن عبد العزيز ، فتقدَّم شابٌّ للكلام ، فقال عمرُ له : كبِّر ، كبِّر . فقال : يا أمير المؤمنين ! لو كان الأمرُ بالسنِّ لكان هنا من هو أولى بالخلافة منك ! فقال : تكلَّم .
فتكلم فأبلغ ، فأوجز . و( قوله - بعد سماع كلام المدَّعين - : ( إمَّا أن يَدُوا صاحبكم ، وإمَّا أن يُؤْذِنُوا بحربٍ ) هذا الكلامُ من النبي - صلى الله عليه وسلم - على جهة التأنيس ، والتسلية لأولياء المقتول ، وعلى جهة الإخبار بالحكم على تقدير ثبوت القتل عليهم . لا أن ذلك كان حكمًا من النبي - صلى الله عليه وسلم - على اليهود في حال غيبتهم ، فإنَّه بَعْدُ لم يسمع منهم ، ولا حضروا حتى يسألهم .
ولذلك كتبَ إليهم بعد أن صدر منه ذلك القول . ثم إن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد أن سمعَ الدعوى لم يستحضر المدَّعى عليهم إليه . وفيه من الفقه : أنَّ مجرَّدَ الدَّعوى لا يُوجب إحضارَ المدَّعى عليه ؛ لأنَّ في إحضاره منعًا له من أشغاله ، وتضييعًا لما له من غير مُوجبٍ ثابتٍ .
فلو ظهرَ هنالك ما يقوِّي دعوى المدَّعي من لطخ ، أو شبهة ، لتعيَّن أن يستحضر ويسمع جوابه عمَّا ادعي عليه . ثم قد يختلف هذا في القرب ، والبعد ، وشدة الضرر ، وقلَّته . و( قوله : فكتبوا : إنَّا والله ما قتلناه ! ) فيه من الفقه : الاكتفاء بالكتْبِ ، وبأخبار الآحاد مع إمكان المشافهة ، وأن اليمين قبل استدعائها ، وتوجهها لا اعتبار بها .
و( قوله للمدَّعين : [ أتحلفون خمسين يمينًا ] ) دليل : على أن القسامة يبدأ فيها المدَّعون بالأيمان . وهو قول معظم القائلين : بأن القسامة يُستوجب بها الدَّم . وقال مالك : الذي أجمعت عليه الأمة في القديم والحديث : أن المدَّعين يبدؤون في القسامة ، وخالف في ذلك الكوفيون ، وكثير من البصريين ، والمدنيين ، والأوزاعي .
وروي عن الزهري ، وعمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ، وقالوا : يُبْدَأ بالمدَّعى عليهم ؛ متمسكين في ذلك بالأصل الذي دلَّ عليه قوله - صلى الله عليه وسلم - للمدَّعي : ( شاهداك ، أو يمينه ) ، وبأنه قد روي هذا الحديث من طرق ذكرها أبو داود ، والنسائي . ذكر فيها : أنه - صلى الله عليه وسلم - طالب المدَّعين بالبينة . فقالوا : ما لنا بيِّنة ، فقال : ( فتحلف لكم يهود خمسين يمينًا ) .
وهذا هو الأصل المقطوع به في باب الدَّعاوى ؛ الذي نبَّه الشرع على حكمته بقوله : ( لو أعطي الناس بدعاويهم لاستحل رجال دماء رجال وأموالهم ، ولكن البيِّنة على المدَّعي ، واليمين على من أنكر ) . وقد أجاب الجمهور عن ذلك : بأن الصحيح المشهور المعروف من حديث حُويصة ومحيصة تبدئة المدَّعين بالأيمان . وهي رواية الأئمة الحفَّاظ بالطرق المسندة المستفيضة ، وما ذكروه مما رواه أبو داود والنسائي بالطرق المسندة المستفيضة ، وما ذكروه مما رواه أبو داود والنسائي : مراسيل ، وغير معروفة عند المحدِّثين ، وليست مِمَّا تعارض بها الطُّرُق الصِّحاح ؛ فيجب ردَّها بذلك .
وأجابوا عن التمسك بالأصل : بأن هذا الحكم أصل بنفسه لحرمة الدِّماء ، ولتعذر إقامة البيِّنة على القتل غالبًا . فإن القاصد للقتل إنَّما يطلب الخلوة ، والغيْلة ، بخلاف سائر الحقوق ، وبشهادات الروايات الصحيحة لهذا الأصل الخاص بهذا الحكم الخاص ، وبقي ما عداه على ذلك الأصل الآخر . ثم ليس ذلك خروجًا عن ذلك الأصل بالكلية .
وذلك أن المدَّعي إنَّما كان القول قوله لقوَّة جنبته بشهادة الأصل له بالبراءة مما ادُّعي عليه ، وذلك المعنى موجود هنا ، فإنَّه إنما كان القول قول المدَّعين لقوة جنبتهم باللوث الذي يشهد لهم بصدقهم . فقد أعملنا ذلك الأصل ، ولم نطرحه بالكليَّة . و( قوله : أتحلفون خمسين يمينًا ؟ ) ، وفي الأخرى : ( أيُقسم خمسون منكم ؟ ) دليل : على استحقاق هذا العدد من الأيمان ، فلا يجزئ فيها أقل من ذلك .
فإن كان المستحقون خمسين ؛ حلف كل واحد منهم يمينًا واحدة . فإن كانوا أقل من ذلك ، أو نكل منهم من لا يجوز عفوه رُدَّت الأيمان عليهم بحسب عددهم . ولا يحلف في العمد أقل من اثنين من الرجال ، لا يحلف فيه الواحد من الرِّجال ولا النساء ، يحلف الأولياء ومن يستعين بهم الأولياء من العصبة خمسين يمينًا .
هذا مذهب مالك ، والليث ، وربيعة ، والثوري ، والأوزاعي ، وأحمد وداود ، وأهل الظاهر . واختلف عن مالك فيما إذا زاد الأولياء على الخمسين . هل يحلف كلهم يمينًا ، يمينًا ؟ أو يقتصر منهم على خمسين ؟ وهذا هو الأولى لقوله : ( يحلف خمسون منكم ) ، و( من ) للتبيين .
والخطاب لجميع الأولياء . فأفادَ ذلك : أنهم إذا حلف منهم خمسون أجزأ . وأمَّا القسامة في الخطأ عند القائلين بها : فيحلف فيها الواحد من الرجال ، والنساء ، فمهما كملت خمسون يمينًا من واحد أو أكثر استحق الحالف ميراثه ، ومن نكل لم يستحق شيئًا .
فإن جاء من غاب حلف من الأيمان ما كان يجب عليه لو حضر بحسب ميراثه . هذا قول مالك المشهور عنه . وقد روي عنه : أنه لا يرى في الخطأ قسامة .
وقال الليث : لا ينقص من ثلاثة أنفس . وقال الشافعي : لا يحلف في العمد ، ولا في الخطأ إلا أهل الميراث على قدر مواريثهم . ولا يحلف على مال مَنْ لا يستحقه .
وهو قول أبي ثور ، وابن المنذر . و( قوله : وتستحقون دم صاحبكم ) ، وفي الرواية الأخرى : ( فيُدْفَع إليكم برمَّتِه ) نصٌّ في أن القسامة يُستحقُّ بها الدَّم . وهو مذهب معظم الحجازيين ، وهو قول الزهري ، وربيعة ، والليث ، ومالك ، وأصحابه ، والأوزاعي ، وأبي ثور ، وأحمد ، وإسحاق ، وداود ، وأحد قولي الشافعي .
وروي ذلك عن ابن الزبير ، وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهم . قال أبو الزناد : قتلنا بالقسامة وأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متوافرون ؛ إني لأراهم ألف رجل ، فما اختلف منهم في ذلك اثنان . وقال الكوفيُّون ، وإسحاق ، والشافعي - في قوله الآخر - : إنَّما تجب بها الدِّية .
وهو قول الحسن البصري ، والحسن بن حي ، والبتِّي ، والنخعي ، والشعبي . وروي عن أبي بكر ، وعمر ، وابن عبَّاس ، ومعاوية . والحديث المتقدِّم نصٌّ في موضع الخلاف ، فلا ينبغي أن يُعْدَل عنه .
و( قوله : على رجل منهم ) ، وفي اللفظ الآخر : ( وتستحِقُّون دم صاحبكم ) دليلٌ على أن القسامة إنما تكون على واحد . وهو قول أحمد ، ومشهور قول مالك . وقال أشهب : لهم أن يقسموا على جماعة ، ويختارون واحدا للقتل ، ويسجن الباقون عامًا ، ويضربون مائة مائة .
وقال المغيرة : يقتل بها الجماعة . وهو قول الشافعي في القديم . وذهب ابن سريج من أصحابه : إلى أنه يقسم على الجماعة ، ويقتل منهم واحد .
وقد فهم الشافعي من قوله : ( وتستحقون دم صاحبكم ) : أنَّه لا يحلف إلا الورثة الذين يستحقون المال . وهو فهم عجيب ينبني على أن المستحق بالقتل العمد تخيير الولي بين القصاص وبين الدِّية . وسيأتي ذلك إن شاء الله .
وقد بناه بعضهم على قولته الأخرى : في أن المستَحَقَّ بالقسامةِ الدِّيةَ لا القصاص . وهو خلاف نص الحديث . و( قوله : ما حضرنا ، ولا شهدنا ) ، وفي اللفظ الآخر : [أمرٌ لم نحضرْه ، فكيف نحلف عليه ؟ !] ؛ دليلٌ : على أن الأيمان في القسامة على القطع .
وهو الأصل في الأيمان ، إلا أن يتعذر ذلك فيها ، كما سيأتي تفصيل ذلك . وسبب ذلك : أن الحالف جازم في دعواه ، فلا يحلف إلا على ما تحققه ، كالشاهد ، غير أنَّه لا يشترط في تحقيق ذلك الحضور والمشاهدة ؛ إذ قد يحصل له التحقيق من الأخبار ، والنَّظر في قرائن الأحوال . و( قوله : فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم ) دليل : على أن من توجهت عليه يمين فنكل عنها : أنَّه لا يُقضى عليه بمجرد النُّكول حتى تردَّ اليمينُ على الآخر ، ويحلف .
وهو قول مالك ، والشافعي . وروي عن عمر ، وعثمان ، وعلي ، وجماعة من السلف . وقال أبو حنيفة ، والكوفيون ، وأحمد بن حنبل : يُقضى عليه دون رد اليمين .
وقال ابن أبي ليلى : يُؤخذ باليمين . ومعنى تبرئكم يهود : أي : يبرؤون إليكم مما طالبتموهم به ، فتبرؤون أنتم منهم ؛ إذ ينقطع طلبكم عنهم شرعًا . وفيه دليل على أن الأيمان المردودة لا تكون أقل من خمسين يمينًا من خمسين رجلًا إذا كان المدَّعى عليهم خمسين .
فإن كانوا أقل من ذلك ؛ حلفوا خمسين يمينًا ، ورُدَّت عليهم بحسب عددهم . وهل لهم أن يستعينوا بمن يحلف معهم من أوليائهم أم لا ؟ قولان . فمشهور مذهب مالك : لهم الاستعانة .
وعليه فلا يحلف فيها أقل من اثنين . ولا يحلفُ المدَّعى عليه معهم إلا أن لا يجد من يحلفُ معه ، فيحلفُ هو خمسين يمينًا . وروى مطرف عن مالك : أنَّه لا يحلفُ مع المدَّعى عليه أحدٌ ، ويحلفُ هم أنفسهم كانوا واحدًا أو أكثر خمسين يمينًا يبرئون بها أنفسهم .
وهو قول الشَافعي . وهو الصحيح ؛ لأن من لم يُدَّع عليه لم يكن له سبب يتوجَّه عليه به يمين ، ثم مقصود هذه الأيمان : البراءة من الدَّعوى . ومن لم يُدَّع عليه بريء ، ولأن أيمانهم على أن وليَّهم لم يُقتل شهادةٌ على نفي ، وهي باطل .
وأيضًا فقد قال الله تعالى : وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى و( قوله : فيُدفع بِرُمَّتِه ) هو بضم الراء ، وهو : الحبل البالي . وأصله : أنَّ رجلًا سلَّم رجلًا لآخر بحبلٍ في عنقه ليقتلَه ، فقيل : ذلك لكل من سلم شيئًا بكلِّيته ، ولم يبق له به تعلُّق . والرِّمَّةُ - بكسر الراء - : العظم البالي .
يقال : رمَّ العظم ، وأرم : إذا بلي . والرميم : الشيء البالي ، المتفتت كالورق ، المتهشم . ومنه قوله تعالى : ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ ﴾و( قول المدَّعين : كيف نقبل أيمانَ قومٍ كُفَّار ) هذا استبعاد لصدقهم وتقريبٌ لإقدامهم على الكذب ، وجرأتهم على الأيمان الفاجرة .
وعلى هذا يدل قولهم : ( ليسوا بمسلمين ) أي : ما هم عليه من الكفر والعداوة للمسلمين يجرؤهم على الأيمان الكاذبة ، لكنهم مع هذا كله لو رضوا بأيمانهم لحلفوا لهم ، ولا خلاف أعلمه في أن الكافر إذا توجَّهت عليه يمين : أنه يحلفها أو يُعَدُّ ناكلًا . وبماذا يحلف ؟ فالمشهور عن مالك : أنَّه إنما يحلف بالله ؛ الذي لا إله إلا هو . سواء كان يهوديًّا ، أو نصرانيًّا ، أو غيرهما من الأديان ، كما يحلف المسلم .
وفيه نظر . وروى الواقدي عن مالك : أن اليهودي يحلف بالله الذي أنزل التوراة على موسى . والنصراني : بالله الذي أنزل الإنجيل على عيسى .
وهذا القول أمشى على الأصول من الأول . وذلك : أنَّا إذا أجبرنا النصراني على أن يحلف بالتوحيد مع قطعنا : بأنَّه خلاف معتقده ، ودينه ؛ فقد أجبرناه على الخروج عن دينه ، مع أنا قد عاهدناه على إبقائه على اعتقاده ، ودينه . وأيضًا : فلا مانع له من أن يقدم على الحلف بذلك ؛ إذ هو في اعتقاده ليس بصحيح .
فالأولى القول الثاني . ويحلف في المواضع التي يعتقد تعظيمها . و( قوله : فودَاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من عنده ) إنَّما فعل ذلك على مقتضى كرم خلقه ، وحسن إيالته ، وجلبًا للمصلحة ، ودفعًا للمفسدة ، وإطفاءً للثائرة ، وتأليفًا للأغراض المتنافرة عند تعذر الوصول إلى استيفاء الحق لتعذر طرقه .
وهذا اللفظ الذي هو : ( من عنده ) ظاهر في : أن الإبل التي دفع كانت من ماله . وهذا أصحُّ من رواية من روى : أنها كانت من إبل الصَّدقة ؛ إذ قد قيل : إنَّها غلط من بعض الرُّواة ؛ إذ ليس هذا من مصارف الزكاة . قلت : والأولى ألا يغلَّط الراوي العدل الجازم بالرواية ما أمكن .
ويحتمل ذلك أوجهًا من التأويلات : أحدها : أنَّه تسلَّف ذلك من مال الصَّدقة ؛ حتَّى يؤديها من الفيء . وثانيها : أن يكون أولياء القتيل مستحقين للصدقة ، فأعطاها إياهم في صورة الدِّية ، تسكينًا لنفرتهم وجبرًا لهم ؛ مع أنَّهم مستحقون لها . وثالثها : أنَّه أعطاهم تلك من سهم المؤلفة قلوبهم استئلافًا لهم ، واستجلابًا لليهود .
ورابعها : قول من قال : إنَّه يجوز صرف الصدقة في مثل هذا ؛ لأنَّه من المصالح العامَّة . وهذا أبعد الوجوه ؛ لقوله تعالى : إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ الآية . تفسير غريبه : الفريضة : واحدة الفرائض ، وهي : النوق المأخوذة في الزكاة والدِّية .
وقد فسَّرها في الرِّواية التي قال فيها : ( فلقد ركضتني منها ناقة حمراء ) . وأصل الفرض : التقدير ، كما تقدم . ولا معنى لقول من قال : إنَّها المسنة من الإبل .
والشَّرَبة - بفتح الشِّين والرَّاء - هي : حوض في أصل النَّخلة تشرب منه النخلة . وجمعه : شَرَب - بفتح الرَّاء - ؛ وهي التي عبَّر عنها في الرواية الأخرى بـ ( الفقير ) . وقيل : الفقير : هو الحفر العميق الذي يحفر للفسيلة .
والجهد - بفتح الجيم - : الشدَّة والمشقَّة . والجهد - بضمها - : غاية الوسع والطَّاقة . والعقل : الدِّية .
وسمِّيت بذلك : لأن الإبل كانت تعقل بفناء المستحقين للدِّية . وقد تقدم القول في ( الرِّمَّة ) . وفيه من الفقه : أن أهل الذِّمَّة يحكم عليهم بحكم الإسلام ، لا سيما إذا كان الحكم بين ذمِّي ومسلم ، فإنَّه لا يختلف في ذلك .
وكذلك لو كان المقتول من أهل الذمة فادَّعي به على مسلم ؛ فإن ولاة الدَّم يحلفون خمسين يمينًا ، ويستحقون به دِّية ذمِّي . هذا قول مالك . وقال بعض أصحابه : يحلف المسلم المدَّعى عليه خمسين يمينًا ، ويبرأ ، ولا تحمل العاقلة ديته .
فلو قام للذمي شاهدٌ واحدٌ بالقتل ؛ فقال مالك : يحلف ولاته يمينًا واحدة ويستحقون الدِّية من ماله في العمد ، ومن عاقلته في الخطأ . وقال غيره : يحلف المدَّعى عليه خمسين يمينًا ويجلد مائة ، ويحبس عامًا . وفيه ما يدلُّ على جواز سماع حجَّة أحد الخصمين في غيبة الآخر .
وأن أهل الذمِّة إن امتنعوا من فعل ما وجب عليهم لنقض عهدهم . والحديث كله حجَّة واضحة للجمهور من السَّلف والخلف على من أنكر العمل بالقسامة ؛ وهم : سالم بن عبد الله ، وأبو قلابة ، ومسلم بن خالد ، وقتادة ، وابن عُلَيَّة ، وبعض المكيين . فنفَوْا الحكم بها شرعًا في العمد والخطأ .
وقد روي ذلك عن عمر بن عبد العزيز ، والحكم بن عتَيْبة . وقد روي عنهما العمل بها . وقد روي نفي العمل بها عن سليمان بن يسار .