حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم

باب الاعتصام بحبل الله وأن الحاكم المجتهد له أجران في الإصابة

[1809] وعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ : أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ . و( قوله - صلى الله عليه وسلم - : إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران ، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر ) كذا وقع هذا اللفظ في كتاب مسلم : ( إذا حكم فاجتهد ) . فبدأ بالحكم قبل الاجتهاد ، والأمر بالعكس ، فإنَّ الاجتهاد مقدَّمٌ على الحكم ؛ إذ لا يجوز الحكم قبل الاجتهاد بالإجماع .

ووجهُ مساق هذا اللفظ : أن قوله : ( إذا حكم ) معناه : إذا أراد أن يحكم ، فعند ذلك يجتهد في النازلة ، ويفيد هذا صحة ما قاله الأصوليون : إن المجتهد يجب عليه أن يجدد نظرا عند وقوع النازلة ، ولا يعتمد على اجتهاده المتقدم ، لإمكان أن يظهر له ثانيًا خلاف ما ظهر له أولًا . اللهم إلا أن يكون ذاكرًا لأركان اجتهاده ، مائلًا إليه ، فلا يحتاج إلى استئناف نظر في إمارة أخرى . و( قوله : فأصاب ) أي : حكم فأصاب وجه الحكم .

وهو أن يحكم بالحق لمستحقه في نفس الأمر عند الله تعالى . فهذا يكون له أجرٌ بحسب اجتهاده ، وأجر بسبب إصابة ما هو المقصود لنفسه . والخطأ الذي يناقض هذا هو : أن يجتهد في حجج الخصمين ، فيظن : أن الحق لأحدهما ، وذلك بحسب ما سمع من كلامه وحجَّته ، فيقضي له ، وليس كذلك عند الله تعالى .

فهذا له أجر اجتهاده خاصَّة ؛ إذ لا إصابة . وهذا المعنى هو الذي أراده النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله : ( فلعلَّ بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض ، فأقضي له على حسب ما أسمع ) ، وفي الأخرى : ( فأحسب : أنَّه صادق ، فأقضي له ) . وهذا في الحاكم بين الخصوم واضحٌ ؛ لأن هنالك حقًّا معيَّنا عند الله تعالى تنازعه الخصمان ، لأن أحد الخصمين مبطل قطعًا ؛ لأنَّهما تقاسما الصدق والكذب ، فمتى صدق أحدهما كذب الآخر .

والحاكم إنما يجتهد في تعيين الحق ، فقد يصيبه وقد يخطئه . وعلى هذا : فلا ينبغي أن يختلف هنا في أنَّ المصيب واحدٌ ، وأنَّ الحق في طرف واحد . وإنَّما ينبغي أن يختصَّ الخلاف بالمجتهد في استخراج الأحكام من أدلَّة الشريعة بناءً على الخلاف في أن النوازل غير المنصوص عليها ؛ هل لله تعالى فيها أحكام معيَّنة أم لا ؟ وللمسألة غَورٌ ، وفيها أبحاث استوفيناها في كتابنا في الأصول .

وأعظم فوائد هذا الحديث : أن الحاكم لا بدَّ أن يكون من أهل الاجتهاد ، فإذا اجتهد وحكم فلا بدَّ له من الأجر ؛ فإمَّا ضعفان مع الإصابة ، وإمَّا ضعف واحد مع الخطأ . فأمَّا لو كان جاهلًا ، أو مقصرًا في اجتهاده فهو عاصٍ آثمٌ في كل ما يحكم به . أمَّا الجاهل : فلعدم أهليته .

وأمَّا المقصِّر : فلعدم استيفاء شرطه . وكلاهما حَكَمَ بغير حكم الله ، بل بالباطل ، والاختلاق على الله . وقد دلَّ على هذا أيضًا ما خرَّجه النسائي من حديث بريدة ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( القضاة ثلاثة : اثنان في النار ، وواحد في الجنة .

رجل عرف الحق فقضى به ، فهو في الجنَّة . ورجل عرف الحق فلم يقضِ به ، وجار في الحكم ، فهو في النار . ورجل لم يعرف الحق فقضى للناس على جهل ، فهو في النار ) .

فإذا تقرَّر ذلك فاعلم : أنَّ المجتهد ضربان : أحدهما : المجتهد المطلق ، وهو : المستقل باستنباط الأحكام من أدلَّتها . فهذا لا شكَّ في أنَّه إذا اجتهد مأجور ، كما قدمناه ، لكنه يُعزُّ وجوده ، بل قد انعدم في هذه الأزمان . فلو لم ينفذ إلا حكم من كان كذلك لتعطلت الأحكام ، وضاعت الحقوق .

وثانيهما : مجتهد في مذهب إمام . وهذا غالب قضاة العدل في هذا الزمان . وشرط هذا أن يحقق أصول إمامه ، وأدلَّته ، وينزل أحكامه عليها فيما لم يجده منصوصًا من مذهب إمامه .

وأمَّا ما وجده منصوصًا : فإن لم يختلف قول إمامه ؛ عمل على ذلك النَّصَّ ، وقد كُفِي مؤنة البحث . والأولى به : تَعَرَّفُ وجه ذلك الحكم . وأما إن اختلف قول إمامه : فهناك يجب عليه البحث في تعيين الأولى من القولين على أصول إمامه .

واختلف أصحابنا فيمن يحفظ أقوال إمامه فقط . هل يصلح للحكم عند الضرورة أو لا ؟ على قولين ؟ فمن أجازه شرط فيه : أنَّه لا يخرج عن نصوص إمامه ، أو نصوص من فهم عن إمامه ، فإذا تعارضت عنده الأقوال لم يحكم بشيء منها أصلًا حتى يسأل عن الأرجح من له أهلية الترجيح . ولا يحكم بنظره أصلًا ؛ إذ لا نظر له .

ومتى فعل شيئًا من ذلك كان حكمه منقوضًا ، وقوله مردودًا . وقد كان أهل الأندلس يرجحون الأقوال بالناقلين لها من غير نظر في توجيه شيء منها . فيقولون : إن قول ابن القاسم ونقله أولى من نقل غيره وقوله ، بناءً على أن ابن القاسم اقتصر على مالك ، ولم يتفقَّه بغيره ، ولطول ملازمته له .

فإن لم نجد لابن القاسم قولًا كان قول أشهب أولى من قول ابن عبد الحكم ؛ لأنَّه أخذ عن الشافعي ، فخلَّط ، وهكذا . وقد بلغني : أنهم كانوا بالأندلس يشترطون على القضاة في سجلاتهم مراعاة ذلك الترتيب . قلت : وهذه رتبة لا أخسَّ منها ؛ إذ صاحبها معزولٌ عن رتبة الفقهاء ، ومنخرط في زمرة الأغبياء ؛ إذ لا يفهم معاني الأقوال ، ولا يعرف فصل ما بين الحلال والحرام ، فحق هذا ألا يتعاطى منصب الأحكام ، فإنَّه من جملة العوام .

والمشهور : أنَّه لا يُسْتَقْضَى من عَرِي عن الاجتهاد المذكور ، ولذلك قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب : ولا يُستقضى إلا فقيه من أهل الاجتهاد . وهذا محمولٌ على ما تقدم ، والله تعالى أعلم . والاجتهاد المعني في هذا الباب هو : بذل الوسع في طلب الحكم الشرعي في النوازل على ما قلناه .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث