باب اختلاف المجتهدين في الحكم لا ينكر
) باب اختلاف المجتهدين في الحكم لا ينكر 1720 - ( 20 ) [1814] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: بَيْنَمَا امْرَأَتَانِ مَعَهُمَا ابْنَاهُمَا، جَاءَ الذِّئْبُ ، فَذَهَبَ بِابْنِ إِحْدَاهُمَا، فَقَالَتْ هَذِهِ لِصَاحِبَتِهَا: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ أَنْتِ، وَقَالَتْ الْأُخْرَى: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ، فَتَحَاكَمَتَا إِلَى دَاوُدَ فَقَضَى بِهِ لِلْكُبْرَى، فَخَرَجَتَا عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ فَأَخْبَرَتَاهُ، فَقَالَ: ائْتُونِي بِالسِّكِّينِ أَشُقُّهُ بَيْنَكُمَا ! فَقَالَتْ الصُّغْرَى: لَا، يَرْحَمُكَ اللَّهُ، هُوَ ابْنُهَا، فَقَضَى بِهِ لِلصُّغْرَى . قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاللَّهِ إِنْ سَمِعْتُ بِالسِّكِّينِ قَطُّ إِلَّا يَوْمَئِذٍ، مَا كُنَّا نَقُولُ إِلَّا الْمُدْيَةَ . [( 6 ) ومن باب : اختلاف المجتهدين بالحكم لا ينكر] ( قوله : فتحاكمتا إلى داود فقضى به للكبرى ) قد أشكل هذا على كثير من الشارحين ، حتى قال بعضهم : إن هذا لم يكن من داود حكمًا ، وإنَّما كان فتيا .
وهذا فاسدٌ لنصِّه ؛ على أنه قضى ، ولأن فتيا النبي - صلى الله عليه وسلم - وحكمه سواء ؛ إذ يجب تنفيذ ذلك . وقالت طائفة أخرى : إن ذلك كان من شرع داود أن يحكم به للكبرى ؛ يعني : من حيث هي كبرى . وهذا أيضًا فاسدٌ ؛ لأنَّ اللفظ ليس نصًّا في ذلك ، ولأن الكُبْر والصغر طَرْدٌ محض عند الدعاوي ، كالطول والقصر ، والسّواد والبياض ؛ إذ لا يوجب شيء من ذلك ترجيح أحد المتداعيين ، حتى يحكم له ، أو عليه لأجل ذلك ، وهذا مما يقطع به من فهم ما جاءت به الشرائع ، كما بيَّنَّاه في الأصول ، والذي ينبغي أن يقال : إن داود - عليه السلام - إنما حكم للكبرى لسبب اقتضى عنده ترجيح قولها ، ولم يذكره في الحديث بعينه ؛ إذ لم تَدْعُ حاجةٌ إليه ، فيمكن أن يقال : إن الولد كان في يد الكبرى ، وعلم عجز الأخرى عن إقامة البيِّنة ، فقضى به لها إبقاء لما كان على ما كان .
وهذا تأويل حسن لا يمنعه اللفظ ، وتشهد له قاعدة الدعاوي الشرعية التي يبعد اختلاف الشرائع فيها . فإن قيل : فإن كان داود - عليه السلام - قضى بسبب شرعي ، فكيف ساغ لسليمان نقض حكمه ؟ ! فالجواب : أن سليمان - عليه السلام - لم يتعرَّض لحكم أبيه بالنقض ، وإنَّما احتال حيلة لطيفة ، ظهر له بسببها صدق الصغرى . وهي : أنَّه لَمَّا قال : هات السكين أشقه بينهما ! فقالت الصغرى : لا .
ظهر له من قرينة الشفقة في الصغرى ، وعدم ذلك في الكبرى مع ما عساه انضاف إلى ذلك من القرائن ما حصل له العلم بصدقها فحكم لها . ولعله كان ممن سُوِّغ له أن يحكم بعلمه ، ولعل الكبرى اعترفت بأن الولد للصغرى عندما رأت من سليمان الجزم والجِدّ في ذلك ، فقضى بالولد للصغرى . ويكون هذا كما إذا حكم الحاكم باليمين ، فلما مضى ليحلف حضر من استخرج من المنكر ما أوجب إقراره ، فإنَّه يحكم عليه بذلك الإقرار قبل اليمين ، وبعدها ، ولا يكون ذلك من باب نقض الحكم الأول ، ولكن من باب : تبدل الأحكام بحسب تبدل الأسباب .
والله أعلم . وفي هذا الحديث : أن الأنبياء - عليهم السلام - سُوِّغ لهم الحكم بالاجتهاد ، وهو مذهب المحققين من الأصوليين ، ولا يُلتفت لقول من يقول : إن الاجتهاد إنما يسُوِّغ عند فقد النَّصِّ ، والأنبياء عليهم السلام لا يفقدون النصّ ، فإنَّهم مُتَمِكِّنون من استطلاع الوحي وانتظاره ؛ لأنَّا نقول : إذا لم يأتهم الوحي في الواقعة صاروا كغيرهم في البحث عن معاني النصوص التي عندهم . والفرق بينهم وبين غيرهم من المجتهدين : أنَّهم معصومون عن الغلط والخطأ ، وعن التقصير في اجتهادهم ، وغيرهم ليس كذلك .
وفيه من الفقه : استعمال الحكَّام الحيل التي تُستخرج بها الحقوق ، وذلك يكون عن قوة الذكاء ، والفطنة ، وممارسة أحوال الخليقة . وقد يكون في أهل التقوى فراسةٌ دينية ، وتوسُّمات نورِّية ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء . و( قولها : لا ) أي : لا تفعل .
ثمَّ دعت له بقولها : ( يرحمك الله ) فينبغي للقارئ أن يقف على ( لا ) وقيفة ؛ حتى يتبيَّن للسامع : أن ما بعده كلام مستأنف ؛ لأنَّه إذا وصل بما بعده توهَّم السَّامع : أنَّه دعاء عليه ، وهو دعاء له . وقد روي عن أبي بكر الصِّديق - رضي الله عنه - أنه قال لرجل سمعه يقول مثل ذلك القول : لا تقل هكذا ، وقل : يرحمك الله ، لا . قلت : وقد يزول ذلك الإبهام بزيادة ( واو ) ، فيقال : لا ، ويرحمك الله .
وفيه حجَّة لمن يقول : إن الأمّ تَسْتَلِحقُ ، وليس مشهور مذهب مالك ، ولا يلحق الولد عند مالك بإحداهما إلا ببيِّنة . وقد تقدم القول في الاستلحاق في النكاح .