باب النهي عن التنفس في الإناء وفي مناولة الشراب الأيمن فالأيمن
( 123 ) [1906] وعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَنَفَّسُ فِي الشَّرَابِ ثَلَاثًا وَيَقُولُ: إِنَّهُ أَبْرَأُ وأَرْوَى وَأَمْرَأُ . قَالَ أَنَسٌ : وأَنَا أَتَنَفَّسُ فِي الشَّرَابِ ثَلَاثًا . وفي رواية : في الإناء .
و( قول أنس : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتنفس في الشراب ثلاثًا ) ، وفي رواية : ( في الإناء ) قد حمل بعضهم هذا الحديث على ظاهره ، وهو أن يتنفس في الإناء ثلاثًا . وقال : فعل ذلك ليبيِّن به جواز ذلك . ومنهم من علل جواز ذلك في حقه - صلى الله عليه وسلم - بأنه لم يكن يُتَقَذَّرُ منه شيء ، بل الذي يُتَقَذَّرُ من غيره يُستطاب منه ، فإنَّهم كانوا إذا بزق ، أو تنخع تدلكوا بذلك ، وإذا توضأ اقتتلوا على فضل وضوئه ، إلى غير ذلك مما في هذا المعنى .
قلت : وحمل هذا الحديث على هذا ليس بصحيح ؛ بدليل بقية الحديث ، فإنَّه قال : ( إنه أروى ، وأبرأ ، وأمرأ ، وهذه الثلاثة الأمور إنما تحصل بأن يشرب في ثلاثة أنفاس خارج القدح ، فأما إذا تنفس في الماء وهو يشرب : فلا يأمن الشَّرَق ، ويحصل تقذير الماء ، وقد لا يروى إذا سقط من بزاقه شيء ، أو خالطه من رائحة نفسه إن كانت هنالك رائحة كريهة . وعلى هذا المعنى حمل الحديث الجمهور . وهو الصواب إن شاء الله تعالى نظرًا إلى المعنى ، ولبقية الحديث ، ولقوله للرجل : ( أَبِنِ القدح عن فيك ) .
ولا شك : أن هذا من مكارم الأخلاق ، ومن باب النظافة ، وما كان - صلى الله عليه وسلم - يأمر بشيء من مكارم الأخلاق ثم لا يفعله . و( أروى ) من الرِّي ؛ أي : أكثر رَيَّا . و( أمرأ ) و( أبرأ ) قيل : إنهما بمعنى واحد ؛ أي : أحسن شربًا .
والباء تبدل من الميم في مواضع . و( أمرأ ) من قوله تعالى : هَنِيئًا مَرِيئًا يقال : استمرأت الطعام : إذا استحسنته واستطبته . وعلى هذا المعنى الذي صار إليه الجمهور يكون الشراب المذكور بمعنى : الشرب مصدرًا ، لا بمعنى الشراب الذي هو المشروب .
فتأمله ، فإنَّه حسنٌ معنًى ، وفصيحٌ لغةً ، فإنَّه يقال : شرب شُربًا وشرابًا بمعنى واحد .