باب أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون
( 2110 ) ( 99 و 100 ) - [2023] وعَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ : إِنِّي أُصَوِّرُ هَذِهِ الصُّوَرَ فَأَفْتِنِي فِيهَا . فَقَالَ لَهُ : ادْنُ مِنِّي ، فَدَنَا ، ثُمَّ قَالَ له : ادْنُ مِنِّي ، فَدَنَا حَتَّى وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ ، وقَالَ : أُنَبِّئُكَ مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : كُلُّ مُصَوِّرٍ فِي النَّارِ ، يَجْعَلُ لَهُ بِكُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا نَفْسًا فَيعَذِّبُهُ فِي جَهَنَّمَ . وَقَالَ : إِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ فَاعِلًا ، فَاصْنَعْ الشَّجَرَ وَمَا لَا نَفْسَ لَهُ .
وفي رواية : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : مَنْ صَوَّرَ صُورَةً فِي الدُّنْيَا ، كُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَلَيْسَ بِنَافِخٍ . ( 2111 ) ( 101 ) - [2024] وعن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : قَالَ اللَّهُ : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ خَلْقًا كَخَلْقِي ، فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً ، ولِيَخْلُقُوا حَبَّةً ، ولِيَخْلُقُوا شَعِيرَةً . وقول ابن عباس لمستفتيه عن الصور : ( ادن مني ) ثلاثًا ، ووضعه يده على رأسه ؛ مبالغة في استحضار ذهنه ، وفهمه ، وفي تسميعه ، وتعظيمه لأمر ما يلقيه إليه .
ج٥ / ص٤٣٢وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( كل مصوِّر في النار ) محمله على مصوري ذوات الأرواح ، بدليل قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( يقال لهم : أحيوا ما خلقتم ) . و ( قوله : كلف أن ينفخ فيها الرُّوح ) من هنا رأى ابن عباس : أن تصوير ما ليس له روح يجوز هو والاكتساب به . وهو مذهب جمهور السَّلف والخلف .
وخالفهم في ذلك مجاهد فقال : لا يجوز تصوير شيء من ذلك كله ، سواء كان له روح ، أو لم يكن ؛ متمسِّكًا في ذلك بقول الله تعالى : ( ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقًا كخلقي ، فليخلقوا ذرَّة ، وليخلقوا حبَّة ، وليخلقوا شعيرة ) فعمَّ بالذمِّ والتهديد ، والتقبيح كل من تعاطى تصوير شيء مما خلقه الله تعالى . وقد دلَّ هذا الحديث : على أن الذمَّ والوعيد إنما علِّق بالمصورين من حيث تشبَّهوا بالله تعالى في خلقه ، وتعاطوا مشاركة فيما انفرد الله تعالى به من الخلق والاختراع . وهذا يوضح حجَّة مجاهد .
وقد استثنى الجمهور من الصور لعب البنات كما تقدَّم . وشذَّ بعض الناس فمنعها ، ورأى أن إباحة ذلك منسوخة بهذا النهي . وهو ممنوع من ذلك ، مطالب بتحقيق التعارض والتاريخ ، واستثنى بعض أصحابنا من ذلك النهي ما لا يبقى كصور الفخار ، والشمع ، وما شاكل ذلك ، وهو مطالب بدليل التخصيص ، وليس له عليه نصٌّ ، بل ولا ظاهر ، وإنَّما هو نظر قاصر يرده المعنى الذي قررناه ، والظواهر .
ج٥ / ص٤٣٣و ( قوله : كُلِّف أن ينفخ فيها الروح ، وليس بنافخ ) أي : ألزم ذلك وطوقه ، ولا يقدر على الامتثال ، فيعذب على كل حال . ويستفاد منه جواز التكليف بالمحال في الدنيا ، كما جاز ذلك في الآخرة . لكن : ليس مقصود هذا التكليف طلب الامتثال ، وإنَّما مقصوده تعذيب المكلف ، وإظهار عجزه عمَّا تعاطاه مبالغة في توبيخه ، وإظهار قبيح فعله .
والله تعالى أعلم .