باب اجتناب ما يوقع في التهم ويجر إليه
) باب اجتناب ما يوقع في التهم ويجر إليه ( 2174 ) ( 23 ) ( 2175 ) ( 24 و 25 ) - [2085] عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ قَالَتْ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعْتَكِفًا - وفي رواية : في المسجد في العشر الأواخر من رمضان - فَأَتَيْتُهُ أَزُورُهُ لَيْلًا ، فَحَدَّثْتُهُ ، ثُمَّ قُمْتُ لِأَنْقَلِبَ ، فَقَامَ مَعِيَ لِيَقْلِبَنِي ، وَكَانَ مَسْكَنُهَا فِي دَارِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ، فَمَرَّ رَجُلَانِ مِنْ الْأَنْصَارِ ، فَلَمَّا رَأَيَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْرَعَا ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : عَلَى رِسْلِكُمَا ، إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ ، فَقَالَا : سُبْحَانَ اللَّهِ! يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ : إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنْ الْإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ ، وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَرًّا . أَوْ قَالَ : شَيْئًا . وفي رواية : أنه كان رجلا واحدا ، وأنه قال : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَنْ كُنْتُ أَظُنُّ بِهِ ، فَلَمْ أَكُنْ أَظُنُّ بِك .
( 14 ) ومن باب : اجتناب التهم وما يجر إليها قد تقدَّم الكلام على الاعتكاف لغة وشرعًا في كتابه . قول صفية رضي الله عنها : ( فأتيته أزوره ليلًا ، فحدَّثته ) دليل على جواز زيارة المعتكف ، والتحدُّث معه ، غير أنه يكره الإكثار من ذلك ؛ لئلا يشتغل عما دخل إليه من التفرُّغ لعبادة الله تعالى ، وعلى أنه : لا تكره له الخلوة مع أهله في معتكفه ، ولا الحديث معها ، وإنما الممنوع المباشرة ، لكن هذا للأقوياء ، وأما من يخاف على نفسه غلبة شهوة ، فلا يجوز لئلا يفسد اعتكافه . وقد كان كثير من الفضلاء يجتنبون دخول منازلهم في نهار رمضان مخافة الوقوع فيما يفسد الصوم ، أو ينقص ثوابه .
وقولها : ( ثم قمت لأنقلب ، فقام ليقلبني ) أي : لأنصرف . و ( ليقلبني ) : يصرفني ، وهو مفتوح الياء ثلاثيًّا ، وهذا يدلّ على أن للمعتكف أن ينصرف في المسجد ، وإلى بابه إذا دعته إلى ذلك حاجة ؛ غير أنه لا يخرج من بابه إلا للأمور الضرورية التي تقدَّم ذكرها ، وقد روي في هذا الحديث : أنه إنما خرج معها إلى باب المسجد . وعلى هذا تأوَّل البخاري ، ولم يختلف العلماء : أنه لا يفسده خروجه إلى باب المسجد ، وإن اختلفوا في كراهة تصرُّفه فيه لغير ضرورة ، كزيارة مريض ، أو صلاة على جنازة ، أو صعود إلى المنارة للأذان ، أو الجلوس إلى قومٍ ليصلح بينهم ، فكره مالك كل ذلك في المشهور عنه .
وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( على رسلكما ؛ إنما هي صفيَّة ) الرِّسل - بكسر الراء - : الرفق واللين ، وليس فتح الراء فيه معروفًا . و ( الرِّسل ) بالكسر أيضًا : اللبن . وقد جاء : أرسل القوم : صار لهم اللبن في مواشيهم .
و ( الرَّسَل ) بفتح الراء والسين : القطيع من الخيل ، والإبل ، والغنم ، وجمعه : أرسال . يقال : جاءت الخيل أرسالًا ؛ أي : قطيعًا قطيعًا ، و ( إنما ) هنا لتحقيق المتصل بها ، وتمحيق المنفصل عنها ، كقوله تعالى : إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ أي : الإلهية متحققة له منفيَّة عن غيره . فكأنه قال : هذه صفيَّة لا غيرها حَسْمًا لذريعة التُّهم ، وردًا لتسويل الشيطان ووسوسته ، كما قد نصَّ عليه ، وإذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتَّقي مواقع التُّهم عند قيام الأدلة القاطعة على عصمته كان غيره بذلك أولى .
وقول الرجلين : ( سبحان الله ) معنى هذه الكلمة في أصلها : البراءة لله من السُّوء . لكنها قد كثر إطلاقها عند التعجب والتفخيم ، أو الإنكار ، كما قال تعالى : سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ وكقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( سبحان الله إن المؤمن لا ينجس ) ومثله كثير ، وهذا الموضع منها ، فكأنهما قالا : البراءة لله تعالى من أن يخلق في نفوسنا ظنَّ سوَّء بنبيِّه - صلى الله عليه وسلم - ، ولذلك قال في الرواية الأخرى : ( ومن كنت أظن به فلم أكن أظن بك ! ) . وقوله : ( إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ) حمله بعض العلماء على ظاهره .
فقال : إن الله تعالى جعل للشيطان قوَّة وتمكُّنًا من أن يسري في باطن الإنسان ، ومجاري دمه . والأكثر على أن معنى هذا الحديث : الإخبار عن ملازمة الشيطان للإنسان واستيلائه عليه بوسوسته ، وإغوائه ، وحرصه على إضلاله ، وإفساد أحواله . فيجب الحذر منه ، والتحرُّز من حيله ، وسدُّ طرق وسوسته ، وإغوائه وإن بعدت .
وقد بين ذلك في آخر الحديث بقوله : ( إني خشيت أن يقذف في قلوبكما شرًّا ، فتهلكا ) وخصوصًا في مثل هذا الذي يفضي بالإنسان إلى الكفر ، فإنَّ ظنَّ السَّوء والشر بالأنبياء كفرٌ . قال القاضي عياض رحمه الله : في هذا الحديث من الفقه : إن من قال في النبي صلى الله عليه وسلم شيئًا من هذا ، أو جوَّزه عليه فهو كافر مستباح الدم . و ( قوله : يقذف في قلوبكما شرًّا ) أي : يرمي .
ومنه : القذف أي الرَّمي ، والقذَّافة : الآلة التي تُرْمَى بها الحجارة . والشرُّ هنا : هو الكفر الذي ذكرناه . وفي غير مسلم : ( فتهلكا ) أي : بالكفر الذي يلزم عن ظنِّ السَّوء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - .
وذكر في الرواية الأخرى : أنه كان رجلًا واحدًا ؛ فيحتمل أن يكون هذا في مرتين . ويحتمل أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - أقبل على أحدهما بالقول بحضرة الآخر ، فتصح نسبة القصَّة إليهما جمعًا وإفرادًا ، والله تعالى أعلم .