باب من رأى فرجة في الحلقة جلس فيها وإلا جلس خلفها
( 15 ) باب من رأى فرجة في الحلقة جلس فيها وإلا جلس خلفهم ( 2176 ) - [2086] عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ وَالنَّاسُ مَعَهُ ، إِذْ أَقْبَلَ نَفَرٌ ثَلَاثَةٌ ، فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَذَهَبَ وَاحِدٌ ، قَالَ : فَوَقَفَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَرَأَى فُرْجَةً فِي الْحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ ، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَأَدْبَرَ ذَاهِبًا ، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَلَا أُخْبِرُكُمْ عَنْ النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ ؟ أَمَّا أَحَدُهُمْ فَأَوَى إِلَى اللَّهِ ، فَآوَاهُ اللَّهُ ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَاسْتَحْيَا ، فَاسْتَحْيَا اللَّهُ مِنْهُ ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَأَعْرَضَ ، فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ . ج٥ / ص٥٠٧( 15 ) ومن باب : من رأى فُرْجَة في الحلقة جلس فيها قوله : ( إذ أقبل نفر ثلاثة ) يدلّ : على أن أقل ما يقال عليه نفر : ثلاثة ؛ إذ لا يقال : نفر اثنان ، ولا : نفر واحد . و ( قوله : أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله ) الرواية الصحيحة بقصر الأول ، وهو ثلاثي غير مُتعد .
ومد الثاني وهو متعد رباعي . وهو قول الأصمعي . وهي لغة القرآن .
قال الله تعالى : إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ أي : انضمُّوا ، ونزلوا . وقال في الثاني : أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى أي : فضمَّك إليه . وقال أبو زيد : آويته أنا إيواءً ، وأويته : إذا أنزلته بك ، فَعَلْت وأفْعَلت بمعنًى .
قلت : فأما أويت لِمَفَاقِره : فبالقصر لا غير . ج٥ / ص٥٠٨ومعنى ذلك : أن هذا الرجل لما انضم إلى الحلقة ونزل فيها ، جازاه الله تعالى على ذلك بأن ضمه إلى رحمته ، وأنزله في جنته وكرامته . ففيه : الحضُّ على مجالسة العلماء ، ومداخلتهم ، والكون معهم ؛ فإنَّهم القومُ الذين لا يشقى بهم جليسهم .
وفيه : التحلق لسماع العلم في المسجد حول العالم ، والحضُّ على سدِّ خلل الحلقة ؛ لأنَّ القرب من العالم أولى ، لما يحصل من ذلك من حسن الاستماع ، والحفظ ، والحال في حلق الذكر كالحال في صفوف الصلاة . يُتَمُّ الصَّف الأول ، فإنَّ كان نقص ففي المؤخر . و ( الْحَلْقة ) بفتح الحاء وسكون اللام ، وكذلك حلقة الباب .
والحلقة : الدروع ، والجمع : الحلق على غير قياس . وقال الأصمعي : الجمع حِلَق ، مثل : بَدْرَة وبِدَر ، وقَصْعة وقِصَع ، وحكى يونس عن أبي عمرو بن العلاء : حَلَقة - في الواحد بتحريك اللام - والجمع : حَلَق ، وحَلَقات . وقال أبو عمرو الشيباني : ليس في الكلام حَلَقة - بتحريك اللام - إلا قولهم : هؤلاء قوم حَلَقة : جمع حالق للشعر .
و ( قوله : وأما الآخر فاستحيا ، فاستحيا الله منه ) كأن هذا الثالث كان متمكِّنًا من المزاحمة ؛ إذ لو شرع فيها لفسح له ؛ لأنَّ التَّفسُّح في المجلس مأمورٌ به ، مندوبٌ إليه ، لكن منعه من ذلك الحياء فجلس خلف الصف الأول ، ففاتته فضيلة التقدُّم ، لكنه جازاه الله على إصغائه ، واستحيائه بأن لا يعذبه ، وبأن يكرمه . وقد تقدَّم الكلام في الحياء ، واستحياء الله تعالى ، وأن معناه في حقه تعالى : أنه يعامل عبيده بما يعامل به من يستحيي منه ؛ من المغفرة والكرامة ؛ كما قد جاء عنه - صلى الله عليه وسلم - : ( إن الله يستحيي من ذي الشيبة المسلم أن يعذبه ) . ج٥ / ص٥٠٩و ( قوله : وأما الآخر فأعرض ، فأعرض الله عنه ) إن كان هذا المعرض منافقًا فإعراض الله عنه تعذيبه في نار جهنم ، وتخليده فيها في الدرك الأسفل منها .
وإن كان مسلمًا ، وإنما انصرف عن الحلقة لعارض عرض له فآثره ، فإعراض الله تعالى عنه : منع ثوابه عنه ، وحرمانه مجالسة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، والاستفادة منه ، والخير الذي حصل لصاحبيه .