باب امتهان ذات القدر نفسها في خدمة زوجها وفرسه لا يغض من قدرها
( 2182 ) ( 35 ) - [2093] وعنها قَالَتْ : كُنْتُ أَخْدُمُ الزُّبَيْرَ خِدْمَةَ الْبَيْتِ ، وَكَانَ لَهُ فَرَسٌ ، وَكُنْتُ أَسُوسُهُ ، فَلَمْ يَكُنْ مِنْ الْخِدْمَةِ شَيْءٌ أَشَدَّ عَلَيَّ مِنْ سِيَاسَةِ الْفَرَسِ ، كُنْتُ أَحْتَشُّ لَهُ ، وَأَقُومُ عَلَيْهِ وَأَسُوسُهُ ، قَالَت : ثُمَّ إِنَّهَا أَصَابَتْ خَادِمًا ، جَاءَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْيٌ فَأَعْطَاهَا خَادِمًا ، قَالَتْ : كَفَتْنِي سِيَاسَةَ الْفَرَسِ ، فَأَلْقَتْ عَنِّي مَئُونَتَهُ . فَجَاءَنِي رَجُلٌ فَقَالَ : يَا أُمَّ عَبْدِ اللَّهِ! إِنِّي رَجُلٌ فَقِيرٌ ، أَرَدْتُ أَنْ أَبِيعَ فِي ظِلِّ دَارِكِ ، قَالَتْ : إِنِّي إِنْ رَخَّصْتُ لَكَ أَبَى ذَاكَ الزُّبَيْرُ ، فَتَعَالَ فَاطْلُبْ إِلَيَّ ، وَالزُّبَيْرُ شَاهِدٌ ، فَجَاءَ فَقَالَ : يَا أُمَّ عَبْدِ اللَّهِ ، إِنِّي رَجُلٌ فَقِيرٌ ، أَرَدْتُ أَنْ أَبِيعَ فِي ظِلِّ دَارِكِ ، فَقَالَتْ : مَا لَكَ بِالْمَدِينَةِ إِلَّا دَارِي ؟ فَقَالَ لَهَا الزُّبَيْرُ : مَا لَكِ أَنْ تَمْنَعِي رَجُلًا فَقِيرًا يَبِيعُ ؟ فَكَانَ يَبِيعُ إِلَى أَنْ كَسَبَ ، فَبِعْتُهُ الْجَارِيَةَ ، فَدَخَلَ عَلَيَّ الزُّبَيْرُ وَثَمَنُهَا فِي حَجْرِي ، فَقَالَ : هَبِيهَا لِي ، قَالَتْ : إِنِّي قَدْ تَصَدَّقْتُ بِهَا . و ( قولها : جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - سبي فأعطاها خادمًا ) هذه الرواية مخالفة لقولها في الرواية المتقدِّمة : إن أبا بكر - رضي الله عنه - أرسلها إليها .
وهذا لا بُعد فيه ؛ لأنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - دفعها لأبي بكر ليدفعها لها ، فأرسل بها أبو بكر لها . واستئذان الفقير لأم عبد الله - وهي أسماء ابنة أبي بكر - في أن يبيع في ظلِّ دارها يدلُّ على أن المتقرَّر المعلوم من الشرع أن فناء الدار ليس لغير ربِّها القعود فيه للبيع إلا بإذنه ، فإذا أذن جاز ما لم يضر بغيره ؛ من تضييق طريق ، أو اطلاع على عورة منزل غيره . ولربِّ الدار أن يمنعه ؛ لأنَّ الأفنية حق لأرباب المنازل ؛ لأنَّ عمر - رضي الله عنه - قضى في الأفنية لأرباب الدور .
قال ابن حبيب : وتفسير هذا يعني : بالانتفاع للمجالس ، والمرابط ، والمصاطب ، وجلوس الباعة فيها للبياعات الخفيفة ، وليس بأن ينحاز بالبنيان والتحظير . قلت : وعلى هذا فليس لربِّ الدار التصرف في فنائها ببناء دكان ، أو غيره مما يثبت ويدوم ؛ لأنَّه من المنافع المشتركة بينه وبين الناس ؛ إذ للناس فيه حق العبور ، والوقوف ، والاستراحة ، والاستظلال ، وما أشبه هذه الأمور . لكنه ج٥ / ص٥٢٢أخصُّ به فيجوز له من ذلك ما لا يجوز لغيره من مرافقه الخاصة به كبناء مصطبة لجلوسه ، ومربط فرسه ، وحطّ أحماله ، وكنس مرحاضه ، وتراب بيته ، وغير ذلك مما يكون من ضروراته .
وعلى هذا فلا يفعل فيها ما لا يكون من ضرورات حاجاته كبناء دكان للباعة ، أو تحظيره عن الناس ، أو إجارته لمن يبيع فيه ؛ لأنَّ ذلك كله منع الناس من منافعهم التي لهم فيه ، وليس كذلك الإذن في البيع الخفيف بغير أجرة ؛ لأنَّ ذلك من باب الرفق بالمحتاج ، والفقير . وأصل الطرق ، والأفنية للمرافق ، ولو جاز أن يحاز الفناء ببناء ونحوه ؛ للزم أن يكون لذلك البناء فناء ، ويتسلسل إلى أن تذهب الطرق ، وترتفع المرافق . وتوقف أسماء رضي الله عنها في الإذن للفقير إلى أن يأذن الزبير إنما كان مخافة غيرة الزبير ، أو يكون في ذلك شيء يتأذى به الزبير ، وحسن أدب ، وكرم خلق حتى لا تتصرَّف في شيء من مالها إلا بإذن زوجها .
وأمرها للفقير بأن يسألها ذلك بحضرة الزبير لتستخرج بذلك ما عند الزبير من كرم الخلق ، والرغبة في فعل الخير ، وليشاركها في الأجر ، وذلك كله منها حسن سياسة ، وجميل ملاطفة تدلُّ على انشراح الصدور ، وصدق الرغبة في الخير . وبيعها للجارية بغير إذن الزبير يدلّ على أن للمرأة التصرُّف في مالها بالبيع والابتياع من غير إذنه ، وليس له منعها من ذلك إذا لم يضرُّه ذلك في خروجها ، ومشافهتها للرجال بالبيع والابتياع ، فله منعها مما يؤدي إلى ذلك . وسؤاله لها أن تهبه ثمن الجارية دليل على أن الزوج ليس له أن يتحكم عليها ج٥ / ص٥٢٣في مالها بأخذ ، ولا غيره ؛ إذ لا ملك له في ذلك ، وإنَّما له فيه حق التجمُّل ، وكفاية بعض المؤن ، ولذلك منعناها من إخراج كل مالها ، أو جلَّه كما تقدَّم في النكاح .
وصدقتها بثمن الجارية من غير إذنه دليلٌ على جواز هبة المرأة بعض مالها بغير إذن الزوج ، لكن إن أجازه الزوج جاز ، وإن منعه ؛ فإن كان الثلث فدون لم يكن له المنع ، وإن كان أكثر كان له منع الزائد على الثلث على ما تقدَّم ؛ هذا إذا وهبته لأجنبي ؛ فإن وهبته لزوجها ، فلا يفرَّق بين ثلث ولا غيره ؛ لأنَّها إذا طابت نفسها بذلك جاز . ولأن الفرق بين الثلث وغيره إنما كان لحق الزوج ؛ لئلا يفوت عليه ما له فيه من حق التجمُّل ، ولئلا يمنعها أيضًا من إعطاء ما طابت به نفسها ، فينفذ عطاؤها في الثلث ، ويرد فيما زاد عليه . وقيل : يردُّ في الجميع ، وهو المشهور .