باب كراهية قتل النمل إلا أن يكثر ضررها
( 24 ) باب كراهية قتل النمل إلا أن يكثر ضررها ( 2241 ) ( 148 - 150 ) - [2109] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَّ نَمْلَةً قَرَصَتْ نَبِيًّا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ ، فَأَمَرَ بِقَرْيَةِ النَّمْلِ فَأُحْرِقَتْ ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَفِي أَنْ قَرَصَتْكَ نَمْلَةٌ أَهْلَكْتَ أُمَّةً مِنْ الْأُمَمِ تُسَبِّحُ ؟ وفي رواية : فَهَلَّا نَمْلَةً وَاحِدَةً ؟ ج٥ / ص٥٤٢( 24 و 25 ) ومن باب كراهية قتل النمل إلا أن يكثر ضررها قوله : ( إن نملة قَرَصَت نبيًّا من الأنبياء ، فأمر بقرية النمل فأحرقت ) هذا النبي - عليه السلام - كانت العقوبة للحيوان بالتحريق جائزة في شرعه ، ولذلك إنَّما عاتبه الله تعالى في إحراق الكثير من النَّمل ، لا في أصل الإحراق . ألا ترى قوله : ( فهلا نملة واحدة ؟ ! ) أي : هلا حرقت نملة واحدة ! وهذا بخلاف شرعنا ، فإنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قد نهى عن التعذيب بالنار ، وقال : ( لا يعذب بالنار إلا الله ) وكذلك أيضًا كان قتل النمل مباحًا في شريعة ذلك النبي ، فإنَّ الله لم يعتُبه على أصل قتل النمل . وأما شرعنا : فقد خرَّج أبو داود من حديث ابن عباس : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد نهى عن قتل أربع من الدواب : النَّملة ، والنحلة ، والهدهد ، والصُّرد .
وقد كره مالك قتل النمل إلا أن يضر ، ولا يقدر على دفعه إلا بالقتل . وظاهر هذا الحديث : أن هذا النبي إنَّما عاتبه الله تعالى حيث انتقم لنفسه بإهلاك جمع آذاه واحد منه ، وكان الأولى به الصبر ، والصفح ، لكن وقع للنبي أن هذا النوع مؤذٍ لبني آدم ، وحرمة بني آدم أعظم من حرمة غيره من الحيوان غير الناطق ، فلو انفرد له هذا النظر ولم ينضم إليه التَّشفي الطبيعي لم يعاتب ، والله تعالى أعلم ، لكن : لما انضاف إليه التَّشفي الذي دلَّ عليه سياق الحديث ج٥ / ص٥٤٣عُوتب عليه . والذي يؤيد ما ذكرنا : التمسك بأصل عصمة الأنبياء ، وأنَّهم أعلمُ النَّاس بالله وبأحكامه ، وأشدُّهم له خشيةً .
و ( قوله : أفي أنْ قرصتك نملةٌ أهلكتَ أمةً من الأمم تسبح ؟ ) مقتضى هذا : أنه تسبيحُ مقالٍ ونطق ، كما قد أخبر الله تعالى عن النَّمل : أنَّ لها منطقًا ، وفَهْمُه سليمان - عليه السلام - معجزة له . وقد أخبر الله تعالى عن النملة التي سمعها سليمان : أنها قالت : يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا فهذا كلُّه يدلُّ دَلالةً واضحة : أن للنَّمل نُطقًا وقولًا ، لكن لا يسمعه كل أحدٍ ، بل من شاء اللّه تعالى مِمَّن خرق له العادة من نبي ، أو ولي ، ولا ينكر هذا من حيث أنَّا لا نسمع ذلك ، فإنَّه لا يلزم من عدم الإدراك عدم المدرك في نفسه . ثم : إن الإنسان يجدُ في نفسه قولًا وكلامًا ، ولا يُسمعُ منه إلا إذا نطق بلسانه .
وقد خرق الله العادةَ لنَبيِّنا - صلى الله عليه وسلم - فأسمعه كلام النفس من قومٍ تحدَّثوا مع أنفسهم ، وأخبرهم بما في نفوسهم ، كما نقل منه أئمتنا الكثير في كتب معجزات النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وكذلك : قد وقع لكثير مِمَّن أكرمه الله تعالى من الأولياء مثلُ ذلك في غير ما قضيةٍ ، وإيَّاه عنى النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله : ( إن في أمَّتي محدَّثين ، وإنَّ عُمَرَ منهم ) .