باب العين حق والسحر حق واغتسال العائن
( 2189 ) ( 43 ) - [2129] وعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : سَحَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَهُودِيٌّ مِنْ يَهُودِ بَنِي زُرَيْقٍ ، يُقَالُ لَهُ : لَبِيدُ بْنُ الْأَعْصَمِ ، قَالَتْ : حَتَّى كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ ، وَمَا يَفْعَلُهُ ، حَتَّى إِذَا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ - أَوْ ذَاتَ لَيْلَةٍ - دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ دَعَا ، ثُمَّ دَعَا ، ثُمَّ قَالَ : يَا عَائِشَةُ ، أما َشَعَرْتِ أَنَّ اللَّهَ أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ ؟ جَاءَنِي رَجُلَانِ ، فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي وَالْآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ ، فَقَالَ الَّذِي عِنْدَ رَأْسِي لِلَّذِي عِنْدَ رِجْلَيَّ - أَوْ الَّذِي عِنْدَ رِجْلَيَّ لِلَّذِي عِنْدَ رَأْسِي - : مَا وَجَعُ الرَّجُلِ ؟ قَالَ : مَطْبُوبٌ ، قَالَ : مَنْ طَبَّهُ ؟ قَالَ : لَبِيدُ بْنُ الْأَعْصَمِ ، قَالَ : فِي أَيِّ شَيْءٍ ؟ قَالَ : فِي مُشْطٍ وَمُشَاطَةٍ ، قَالَ وَجُفِّ طَلْعَةِ ذَكَرٍ ، قَالَ : فَأَيْنَ هُوَ ؟ قَالَ : فِي بِئْرِ ذِي أَرْوَانَ . قَالَتْ : فَأَتَاهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ ، ثُمَّ قَالَ : يَا عَائِشَةُ ، وَاللَّهِ ، لَكَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الْحِنَّاءِ ، وَلَكَأَنَّ نَخْلَهَا رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ . قَالَتْ : فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَفَلَا أَحْرَقْتَهُ ؟ قَالَ : لَا ، أَمَّا أَنَا فَقَدْ عَافَانِي اللَّهُ ، وَكَرِهْتُ أَنْ أُثِيرَ عَلَى النَّاسِ شَرًّا ، فَأَمَرْتُ بِهَا فَدُفِنَتْ .
وقول عائشة رضي الله عنها : ( سحر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يهودي ) هذا الحديث يدل على أن السحر موجود ، وأن له أثرًا في المسحور . وقد دلَّ على ذلك مواضع كثيرة من الكتاب والسُّنة بحيث يحصل بذلك القطع بأن السِّحر حق ، وأنه موجودٌ ، ج٥ / ص٥٦٩وأن الشرع قد أخبر بذلك ، كقصة سحرة فرعون ، وبقوله تعالى فيها : وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ و يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى إلى غير ذلك مما تضمنته تلك الآيات من ذكر السِّحر ، والسَّحرة ، وكقوله تعالى : وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ إلى آخرها . وبالجملة : فهو أمر مقطوع به بإخبار الله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم - عن وجوده ، ووقوعه .
فمن كذَّب بذلك فهو كافرٌ ، مكذِّب لله ورسوله ، منكر لما علم مشاهدة وعيانًا . ومنكر ذلك إن كان مُستسرًّا به فهو الزنديق ، وإن كان مظهرًا فهو المرتد . والسحر عند علمائنا : حيل صناعية يُتوصل إليها بالتعلم ، والاكتساب ، غير أنها لخفائها ودقتها لا يتوصل إليها إلا آحاد الناس ، فيندر وقوعها ، وتستغرب آثارها لندورها .
ومادَّته الوقوف على خواص الأشياء ، والعلم بوجوه تركيبها ، وأزمان ذلك . وأكثره تخييلات لا حقيقة لها ، وإيهامات لا ثبوت لها ، فتعظم عند من لا يعرفها وتشتبه على من لا يقف عليها . ولذلك قال تعالى : يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى مع أنه كان في عين الناظر إليه عظيمًا .
وعن ذلك عبر الله تعالى بقوله : وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ لأن الحبال والعصي لم تخرج عن حقيقتها ، وذلك بخلاف عصا موسى ، فإنَّها انقلبت ثعبانًا مبينًا خرقًا للعادة ، وإظهارًا للمعجزة . ولا ينكر أن السِحر له تأثير في القلوب بالحب والبغض ، وبإلقاء الشرور حتى يفرق الساحر بين المرء وزوجه ، ويحول بين المرء وقلبه ، وبإدخال الآلام ، وعظيم الأسقام ؛ إذ كل ذلك مدرك بالمشاهدة ، وإنكاره معاندة . وعلى ما قررناه فالسحر ليس بخرق عادة بل هو أمر عادي يتوصَّل إليه من يطلبه غالبًا ؛ غير أنه يقل ويندر .
فلا نقول : إن السَّاحر تنخرق له العادة ؛ خلافًا لمن قال من أئمتنا وغيرهم : إن العادة تنخرق له . فإن أراد بذلك جواز انخراقها له عادة عقلًا فمسلّم ، ما لم يدّع النبوة . فإنَّ حاصل ذلك أنه أمر ممكن .
والله تعالى قادر على كل ممكن . وإن أراد بذلك : أن الذي وقع في الوجود خارق للعادة فهو ج٥ / ص٥٧٠باطل بما قدَّمناه . واستيفاء مباحثه في علم الكلام .
وقولها : ( حتى كان يخيل إليه أنه يفعل الشيء ولا يفعله ) قد جعل هذا بعض أهل الزَّيغ مطعنًا في النبوة . وقال : إذا انتهى الحال إلى هذا لم يوثق بقول من كان كذلك . والجواب : إن هذا صَدَر عن سوء فهم وعدم علم .
أما سوء الفهم ؛ فلأنها إنما أرادت أنه - صلى الله عليه وسلم - أخذ عن النساء ، فكان قبل مقاربة الجماع يخيل إليه أنه يتأتى له ذلك ، فإذا لابسه لم ينهض لغلبة مرض السحر عليه . وقد جاء هذا المعنى منصوصًا في غير كتاب مسلم . فقالت : حتى كان يخيل إليه أنه يأتي النساء ، فلا يأتيهن .
ولو لم يُنقل أن ذلك في الجماع لصح في غيره ، كما صحَّ فيه . فيتخيل إليه أنه يُقْدِم على الأكل ، أو المشي مثلًا ؛ لأنَّه لا يُحسُّ بمانع يمنعه منه . فإذا رام ذلك ، وأخذ فيه لم يتأت له ذلك ، لغلبة المرض الناشئ عن السحر .
لا أنه - صلى الله عليه وسلم - أوجب له خللًا في عقله ، ولا تخليطًا في قوله ؛ إذ قد قام برهان المعجزة على صدقه ، وعصمة الله تعالى له عن الغلط فيما يبلغه بقوله وفعله . وأما عدم علم الطاعن : فقد سلبه الله تعالى العلم بأحكام النبوات ، وما تدل عليه المعجزات . فكأنهم لم يعلموا أن الأنبياء من البشر ، وأنه يجوز عليهم من الأمراض ، والآلام ، والغضب ، والضجر ، والعجز ، والسحر ، والعين ، وغير ذلك ، ما يجوز على البشر ، لكنهم معصومون عمَّا يناقض دلالة المعجزة من معرفة الله تعالى ، والصِّدق ، والعصمة عن الغلط في التبليغ .
وعن هذا المعنى عبَّر الله تعالى بقوله : قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ . من حيث البشرية : يجوز عليه ما يجوز عليهم . ومن حيث الخاصة النبويَّة : امتاز عنهم ، وهو الذي شهد له العلي الأعلى ؛ بأن بصره ما زاغ وما ج٥ / ص٥٧١طغى ، وبأن فؤاده ما كذب ما رأى ، وبأن قوله وحي يوحى ، وأنه ما ينطق عن الهوى .
و ( قوله : ثم دعا ، ثم دعا ) أي : إظهارًا للعجز والافتقار ، وعلمًا منه : بأن الله هو الكاشف للكرب ، والأضرار ، وقيامًا بعبادة الدعاء عند الاضطرار . و ( قوله : أما شعرت أن الله أفتاني فيما استفتيته فيه ) أي : أجابني فيما دعوته . فسمَّى الدعاء : استفتاء .
والجواب : فتيا ؛ لأنَّ الداعي طالب ، والمجيب مسعفٌ ، فاستعير أحدهما للآخر . و ( قوله : جاءني رجلان ) أي : ملكان في صورة رجلين . وظاهره : أن ذلك كان في اليقظة .
ويُحتمل أن يكون منامًا ، ورؤيا الأنبياء عليهم السلام وحي . و ( قوله : ما وجع الرَّجل ؟ ) أي : ما مرضه ؟ و ( المطبوب ) : المسحور . يقال : طُبَّ الرَّجل : إذا سحر .
قال ابن الأنباري : الطِّبُّ من الأضداد . يقال لعلاج المرض وللسِّحر . قلت : وإنما قيل ذلك ؛ لأنَّ أصل الطِّبَّ الحِذق بالشيء ، والتفطن له ، ولما كان علاج المريض والسِّحر ؛ إنما يكونان عن فطنة وحِذق : قيل على كل واحد منهما : طبٌّ ، ولمعاينهما : طبيب ، وفي الطب ثلاث لغات : كسر الطاء ، وفتحها ، وضمها .
ج٥ / ص٥٧٢و ( الْمُشط ) بضم الميم : واحد الأمشاط التي يمشط بها . والمشط أيضًا : نبت صغير يقال له : مشط الذيب . والمشط - أيضًا - : سلاميات ظهر القدم .
ومشط الكتف : العظم العريض . قلت : ويحتمل أن يكون الذي سحر فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - واحدًا من هؤلاء الأربعة . و ( الْمُشاطة ) بالطاء : هو ما يسقط من الشعر عند الْمَشْطِ .
ووقع في البخاري : مشاقة - بالقاف - وهي الواحدة من مشاق الكتان . وقيل : هي المشاطة من الشعر . و ( جف طلعة ذكر ) روايتنا فيه بالفاء ، وهي المشهورة .
وقال أبو عمر : قد روي بالباء بواحدة تحتها . فبالفاء : هي وعاء الطلع ، وهو الغشاء الذي يكون عليه . وبالباء ؛ قال شمر : أراد بالجب داخل الطلعة إذا أخرج عنها الكُفُرَّى ، كما يقال لداخل الرُّكية ، من أسفلها إلى أعلاها : جبٌّ .
وقيل فيه : إنه من القطع ؛ يعني به : ما قطع من قشورها . و ( قوله : في بئر ذي أروان ) كذا هو في الأصل ، وخارج الحاشية : في بئر ذروان . ووقع في البخاري في كتاب الدَّعوات : في ذروان بئر في بني زريق .
وقال القتبي : الصواب : ذي أروان ، كما في الأصل . ج٥ / ص٥٧٣و ( قوله : والله لكأن ماءها نقاعة الحناء ، ولكأن نخلها رؤوس الشياطين ) فيه دليل : على جواز اليمين وإن لم يستحلف . ونقاعة الحنَّاء : الماء الذي يخرج فيه لونها إذا نقعت فيه .
وتشبيهه نخلها برؤوس الشياطين يعني : أنَّها مستكرهة ، مستقبحة المنظر ، والمخبر . وهذا على عادة العرب إذا استقبحوا شيئًا شبهوه بأنياب أغوال ، أو رؤوس الشياطين . وقد تقدَّم نحو هذا .
ويعني - والله أعلم - : أن هذه الأرض التي فيها النخل والبئر خراب لا تعمر لرداءتها ، فبئرها معطلة ، ونخلها مشذَّبةٌ ، مهملة ، وتغيُّر ماء البئر : إما لطول إقامته ، وإما لما خالطه مما أُلقي فيه . وقولها : ( أفلا أحرقته ) كذا صحَّت الرواية . وتعني به : السِّحر .
ووقع في بعض النُّسخ : ( أخرجته ) كذا بدل ( أحرقته ) وهي أصوب ؛ لأنَّها هي التي تناسب قوله : ( لا ، أما أنا فقد عافاني الله ، وكرهت أن أثير على الناس شرًّا ) أي : بإخراج السِّحر من البئر ، فلعلَّه يعمل به ، أو يضر أحدًا . و ( قوله : فأمرت بها فدفنت ) أي : بالبئر ؛ يعني : أنها ردمت على السحر الذي فيها ؛ لما يخاف من ضرر السِّحر ، ومن ضرر ماء ذلك البئر . هذا معنى ما ذكره بعض الشارحين لهذا الحديث .
ووقع في رواية في " الأم " : قالت عائشة ج٥ / ص٥٧٤رضي الله عنها : قلت : يا رسول الله ! فأخرجته ؟ تستفهمه : هل كان منه إخراج له ؟ والرواية المتقدِّمة على العرض ، وهما متقاربتان في المعنى . وفي كل الروايات فجواب النبي - صلى الله عليه وسلم - لها واحدٌ ، وهو : أنه لم يفعل ذلك ، ولا وجد منه . قلت : ويظهر لي : أن رواية : ( أفلا أحرقته ؟ ) أولى من غيرها ؛ لأنَّه يمكن أن تكون استفهمته عن إحراق لبيد بن الأعصم ؛ الذي صنع السِّحر فأجابها بالامتناع من ذلك ؛ لئلا يقع بين الناس شرٌّ بسبب ذلك ، فحينئذ يكون فيه حجَّة لمالك على قتل السَّاحر إذا عمل بسحره .
وإنَّما امتنع النبي - صلى الله عليه وسلم - من ذلك لما نبَّه عليه من خوف وقوع شرٌّ بين المسلمين واليهود ؛ لما كان بينهم من العهد والذمَّة . فلو قتله : لثارت فتنة ، ولتحدَّث الناس : أن محمَّدًا يقتل من عاهده وأمَّنه . وهذا نحو مِمَّا راعاه في الامتناع من قتل المنافقين ، حيث قال : ( لئلا يتحدَّث الناس : أن محمَّدًا يقتل أصحابه ) فيكون ذلك منفرًا عن الدُّخول في دينه ، وفي عهده .
والله تعالى أعلم . وقد تقدَّم : أن السَّاحر عند مالك كالزنديق ؛ لأنَّ العمل عنده بالسِّحر كفر مُستَسرٌّ به ، فلا تُقبل توبة السَّاحر ، كما لا تقبل توبة الزنديق ؛ إذ لا طريق لنا إلى معرفة صدق توبته . وقال الشافعي : إن عمل السَّحر ، وقتل به ؛ فإن قال : تعمدت القتل ؛ قتل .
وإن قال : لم أتعمده لم يقتل ، وكانت فيه الدِّية . وإنما صار مالك : إلى أن السحر كفرٌ ؛ لقوله تعالى : وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ أي : بالسحر . ويتأيَّد ذلك بأن الساحر لا يتم له سحره حتى يعتقد أن سحره ذلك مؤثرٌ بذاته وحقيقته ، وذلك كفر .
ج٥ / ص٥٧٥وبقول مالك قال أحمد ، وجماعة من الصحابة والتابعين ، والشافعي في قولٍ له آخر . وروي عنه أيضًا : أنه يسأل عن سحره ، فإنَّ كان كفرًا ؛ استتيب منه . وقال مالك في المرأة تعقد زوجها : أنَّها تُنكَّل ولا تقتل .
وقال ابن المسيب في رجل طُبَّ ، أو أخذ عن امرأته أيُحِلُّ ويُنْشَر ؟ قال : لا بأس به . وقال : أما ما ينفع فلم ينه عنه . وأجاز أيضًا أن يسأل من الساحر حل السِّحر .
وإليه مال المزني ، وكرهه الحسن البصري .