باب ما جاء أن السموم وغيرها لا تؤثر بذاتها
( 3 ) باب ما جاء أن السموم وغيرها لا تؤثر بذاتها ( 2190 ) - [2130] عَنْ أَنَسٍ : أَنَّ امْرَأَةً يَهُودِيَّةً ، أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَاةٍ مَسْمُومَةٍ ، فَأَكَلَ مِنْهَا ، فَجِيءَ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَسَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ ؟ فَقَالَتْ : أَرَدْتُ لِأَقْتُلَكَ ، قَالَ : مَا كَانَ اللَّهُ لِيُسَلِّطَكِ عَلَى ذَلكِ قَالَ - أَوْ قَالَ : عَلَيَّ قَالَ - : قَالُوا : أَلَا تَقْتُلُهَا ؟ قَالَ : لَا . قَالَ : فَمَا زِلْتُ أَعْرِفُهَا فِي لَهَوَاتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ( 3 ) ومن باب ما جاء أن السُّموم لا تؤثر بذاتها قوله : ( إن يهوديَّة أتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشاةٍ مسمومة ) ظاهره : أنها أتته بها على وجه الهدية ، فإنَّه كان يقبل الهديَّة ، ويُثيب عليها .
ويحتمل أن تكون ضيافة ، وأبعد ذلك أن تكون بيعًا . وفي غير كتاب مسلم : أنه - صلى الله عليه وسلم - أخذ من الشاة الذراع ، فأكل منها هو وبشر بن البراء ، وأنه قال عند ذلك : ( إن هذه الذراع تخبرني : أنها مسمومةٌ ) فأحضرت اليهوديَّة ، فسُئلت عن ذلك ، فاعترفت ، وقالت : إنما فعلت ذلك ؛ لأنَّك إن كنت نبيًّا لم يضرك ، وإن كنت كاذبًا أَرَحْتَ منك . وفي كتاب مسلم قالت : أردت لأقتلك .
فأجابها النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن قال : ( ما كان الله ليسلطك على ذلك ) فلم يضرَّ ذلك السُّم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طول حياته غير ما أثَّر بلهواته وغير ما كان يعاوده منه في أوقات ، فلما حضر وقت وفاته أحدث الله تعالى ضرر ذلك ج٥ / ص٥٧٦السُّم في النبي - صلى الله عليه وسلم - فتوفي بسببه ، كما قال - صلى الله عليه وسلم - في مرضه الذي توفي فيه : ( لم تزل أكلة خيبر تعاودني ، فالآن أوان قطعت أبهري ) فجمع الله لنبيِّه صلى الله عليه وسلم بين النبوَّة والشهادة مبالغة في الترفيع والكرامة . وأمَّا بشر بن البراء : فروي : أنه مات من حينه . وقيل : بل لزمه وجعه ذلك ، ثم توفي منه بعد سنة .
ففي هذا الحديث فوائد كثيرة ؛ أهمها : ما أظهر الله تعالى من كرامات النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث كلمه الجماد ، ولم يؤثر فيه السُّم ، وعلم ما غيب عنه من السُّم . وفيه ما نبه عليه في الترجمة : من أن السُّموم لا تؤثر بذواتها ، بل بإذن الله تعالى ومشيئته . ألا ترى : أن السُّم أثر في بشر ولم يؤثر في النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فلو كان يؤثر بذاته لأثر فيهما في الحال ؟ ! .
و ( قوله : ألا تقتلها ! قال : لا ) هذه رواية أنس : أنَّه لم يقتلها . وقد وافقه على ذلك أبو هريرة فيما رواه عنه ابن وهب . وقد روى عنه أبو سلمة بن عبد الرحمن : أنَّه قتلها .
وفي رواية ابن عباس : أنَّه صلى الله عليه وسلم دفعها إلى أولياء بشر فقتلوها . ويصح الجمع ، بأن يقال : إنه لم يقتلها أولًا بما فعلت من تقديم السُّم إليهم ، بل حتى مات بشر ، فدفعها إليهم فقتلوها . ففيه من الفقه : أن القتل بالسُّم كالقتل بالسِّلاح الذي يوجب القصاص .
وهو قول مالك إذا استكرهه على شربه فيقتل بمثل ذلك . وقال الكوفيون : لا قصاص في ذلك ، وفيه الدِّية على عاقلته . قالوا : ولو دسَّه له في طعام أو شراب لم يكن عليه شيء ولا على عاقلته .
وقال الشافعي : إذا فعل ذلك به وهو مكره ففيه قولان : ج٥ / ص٥٧٧أحدهما : عليه القود ، وهو أشبهها . والثاني : لا قود عليه . وإن وضعه له ، فأخبره ، فأخذه الرَّجل ، فأكله ، فلا عقل ، ولا قود ، ولا كفارة .
و ( قوله : فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) أي : أعرف أثرها ، فإمَّا بتغيّر لون اللَّهوات ، وإمَّا بنتوءٍ ، أو تحفير فيها . واللهوات : جمع لهاة ، وهي اللحمة الحمراء المعلقة في أصل الحنك . قاله الأصمعي .
وقيل : ما بين منقطع اللِّسان إلى منقطع أصل الفم من أعلاه .