باب لا يورد ممرض على مصح
( 17 ) باب لا يورد ممرض على مصح ( 2221 ) ( 104 ) - [2162] عن أبي سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا عَدْوَى . وَيُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ . قَالَ أَبُو سَلَمَةَ : كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُهُمَا كِلْتَيْهِمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ صَمَتَ أَبُو هُرَيْرَةَ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ قَوْلِهِ " لَا عَدْوَى " ، وَأَقَامَ عَلَى أَنْ " لَا يُورِد مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ " ، فَلَا أَدْرِي أَنَسِيَ أَبُو هُرَيْرَةَ أَوْ نَسَخَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ الْآخَرَ ؟ ج٥ / ص٦٢٤( 17 ) ومن باب : لا يُورِدُ ممرضٌ على مصح الورود هو الوصول إلى الماء ، و " أورد إبله " إذا أوصلها إليه ، فصاحب الإبل مورد ، والإبل موردة ، وممرض : اسم فاعل من أمرض الرجل إذا أصاب ماشيته مرض - قاله يعقوب .
ومصح : اسم فاعل من أصح ؛ إذا أصابت ماشيته عاهة ثم صحت - قاله الجوهري . وقد جمع أبو هريرة - رضي الله عنه - في هذه الرواية بين قوله صلى الله عليه وسلم " لا عدوى " وبين قوله " لا يورد ممرض على مصح " ، وهو جمعٌ صحيح لا بُعد فيه ؛ إذ كلاهما خبر عن المشروعية لا خبر عن الوجود ، فقوله " لا عدوى " أي : لا يجوز اعتقادها . وقوله " لا يورد ممرض على مصحٍّ " ؛ أي لا يفعل ذلك ، فهما خبران يتضمنان النهي عن ذلك ، وإنَّما نهى عن إيراد الممرض على المصح مخافة الوقوع فيما وقع فيه أهل الجاهلية من اعتقاد ذلك أو مخافة تشويش النفوس وتأثير الأوهام ، وهذا كنحو أمره صلى الله عليه وسلم بالفرار من المجذوم ، فإنا وإن كنا نعتقد أن الجذام لا يعدي فإنا نجد من أنفسنا نفرة وكراهية لذلك ، حتى إذا أكره الإنسان نفسه على القرب منه وعلى مجالسته تألَّمت نفسه ، وربما تأذت بذلك ومرضت ، ويحتاج الإنسان في هذا إلى مجاهدة شديدة ومكابدة .
ومع ذلك فالطبع أغلب ، ج٥ / ص٦٢٥وإذا كان الأمر بهذه المثابة فالأولى بالإنسان ألا يقرب شيئًا يحتاج الإنسان فيه إلى هذه المكابدة ولا يتعرض فيه إلى هذا الخطر ، والمتعرض لهذا الألم زاعمًا أنه يجاهد نفسه حتى يزيل عنها تلك الكراهة هو بمنزلة من أدخل على نفسه مرضًا إرادة علاجه حتى يزيله . ولا شك في نقص عقل من كان على هذا ، وإنما الذي يليق بالعقلاء ويناسب تصرُّف الفضلاء أن يباعد أسباب الآلام ويجانب طرق الأوهام ، ويجتهد في مجانبة ذلك بكل ممكن مع علمه بأنه لا ينجي حذر عن قدر ، وبمجموع الأمرين وردت الشرائع وتوافقت على ذلك العقول والطبائع . وأما سكوت أبي هريرة عن قوله " لا عدوى " وإيراد الحديث من غير " لا يورد ممرض على مصح " بعد أن حدَّث بمجموعهما فلا يصح أن يكون من باب النسخ كما قدَّره أبو سلمة بن عبد الرحمن ؛ لأنهما لا تعارض بينهما ، إذ الجمع صحيحٌ كما قدَّمناه ، بل الواجب أن يقال : إنهما خبران شرعيان عن أمرين مختلفين لا متعارضين ؛ كخبر يتضمَّن حكما من أحكام الصلاة وآخر يتضمن حكمًا من أحكام الطهارة مثلًا .
وقد بيَّنَّا وجه تباين الخبرين ، وعلى هذا فسكوت أبي هريرة يحتمل أوجهًا ؛ ج٥ / ص٦٢٦أحدها : النسيان المتقدّم ، كما قال أبو سلمة . وثانيها : أنهما لما كانا خبرين متغايرين لا ملازمة بينهما جاز للمحدِّث أن يحدِّث بأحدهما ويسكت عن الآخر حسبما تدعو إليه الحاجة الحالية . وثالثها : أن يكون خاف اعتقاد جاهل يظنهما متناقضين ، فسكت عن أحدهما ، حتى إذا أمن من ذلك حدَّث بهما جميعًا .
ورابعها : أن يكون حمله على ذلك وجه غير ما ذكرناه لم يطَّلع عليه أحدًا . وعلى الجملة : فكل ذلك محتمل ، غير أن الذي يقطع بنفيه النسخ على ما قرَّرناه ، والله أعلم .