باب في الفأل الصالح وفي الشؤم
( 2225 ) ( 116 ) - [2165] وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ ، إِنَّمَا الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثَةٍ : الْمَرْأَةِ ، وَالْفَرَسِ ، وَالدَّارِ . ج٥ / ص٦٢٩و " الشؤم " نقيض اليمن ، وهو من باب الطيرة ، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : " لا طيرة ، إنما الشؤم في ثلاثة : المرأة ، والفرس ، والدار " ، وقد تخيل بعض أهل العلم أن التطيُّر بهذه الثلاثة مستثنى من قوله " لا طيرة " وأنه مخصوص بها ، فكأنه قال : لا طيرة إلا في هذه الثلاثة ، فمن تشاءم بشيء منها نزل به ما كره من ذلك . وممن صار إلى هذا القول ابن قتيبة ، وعضد هذا بما يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه قال : " الطيرة على من تطيَّر " ، وقال أبو عبد الله : إن مالكًا أخذ بحديث الشؤم في الدار والمرأة والفرس وحمله على ظاهره ولم يتأوَّله ، فذكر في كتاب الجامع من العتبية أنه قال : ربَّ دار سكنها قوم فهلكوا ، وآخرون بعدهم فهلكوا - وأشار إلى حمل الحديث على ظاهره .
ويعضد هذا حديث يحيى بن سعيد قال : جاءت امرأة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت : يا رسول الله ، دار سكنَّاها والعدد كثير والمال وافر ، فذهب العدد وقلَّ المال ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " دعوها ذميمة " . قلت : ولا يظن بمن قال هذا القول أن الذي رخص فيه من الطيرة بهذه الأشياء الثلاثة هو على نحو ما كانت الجاهلية تعتقد فيها وتفعل عندها ، فإنَّها كانت لا تقدم على ما تطيرت به ولا تفعله بوجه بناء على أن الطيرة تضر قطعًا ، فإنَّ هذا ظن خطأ ، وإنما يعني بذلك أن هذه الثلاثة أكثر ما يتشاءم الناس بها لملازمتهم إياها ، فمن وقع في نفسه شيء من ذلك فقد أباح الشرع له أن يتركه ج٥ / ص٦٣٠ويستبدل به غيره مما تطيب به نفسه ويسكن له خاطره ، ولم يُلزمه الشرع أن يقيم في موضع يكرهه أو مع امرأة يكرهها ، بل قد فسح له في ترك ذلك كله ، لكن مع اعتقاد أن الله تعالى هو الفعَّال لما يريد وليس لشيء من هذه الأشياء أثر في الوجود ، وهذا على نحو ما ذكرناه في المجذوم . فإن قيل : فهذا يجري في كل متطير به ، فما وجه خصوصية هذه الثلاثة بالذكر ؟ فالجواب ما نبَّهنا عليه من أن هذه ضروريَّة في الوجود ولا بدَّ للإنسان منها ومن ملازمتها غالبًا ، فأكثر ما يقع التشاؤم بها فخصَّها بالذكر لذلك ، فإن قيل : فما الفرق بين الدار وبين موضع الوباء ؟ فإنَّ الدار إذا تطير بها فقد وسع له في الارتحال عنها ، وموضع الوباء قد منع من الخروج منه ! فالجواب ما قاله بعض أهل العلم : إن الأمور بالنسبة إلى هذا المعنى ثلاثة أقسام ؛ أحدها : ما لم يقع التأذي به ولا اطَّردت عادة به خاصة ولا عامَّة ، لا نادرة ولا متكررة ، فهذا لا يصغى إليه ، وقد أنكر الشرع الالتفات إليه ، كلقي غراب في بعض الأسفار ، أو صراخ بومة في دار ، ففي مثل هذا قال صلى الله عليه وسلم : " لا طيرة " و " لا تطيَّروا " ، وهذا القسم هو الذي كانت العرب تعتبره وتعمل عليه مع أنَّه ليس في لقاء الغراب ولا دخول البومة دارًا ما يشعر بأذى ولا مكروه ، لا على جهة الندور ولا التكرار .
وثانيها : ما يقع به الضرر ولكنه يعمُّ ، ولا يخص ويندر ، ولا يتكرر ، كالوباء ، فهذا لا يقدِّم عليه عملًا بالحزم والاحتياط ، ولا يُفَرُّ منه لإمكان أن يكون قد وصل الضَّرر إلى الفارِّ فيكون سفره سببا في محنته وتعجيلًا لهلكته كما قدمناه . ج٥ / ص٦٣١وثالثها : سببٌ يخص ولا يعم ، ويلحق منه الضرر بطول الملازمة كالدار والفرس والمرأة ، فيباح له الاستبدال والتوكل على الله تعالى ، والإعراض عما يقع في النفوس منها من أفضل الأعمال ، وقد وضح الجواب ، والله الموفق للصواب . وقد سلك العلماء في تأويل ذلك الحديث أوجهًا أخر ؛ منها : أن بعضهم قال : إنما هذا منه صلى الله عليه وسلم خبر عن غالب عادة ما يتشاءم به لا أنه خبر عن الشرع ، وهذا ليس بشيء ؛ لأنَّه تعطيل لكلام الشارع عن الفوائد الشرعية التي لبيانها أرسله الله سبحانه وتعالى ، ومنهم من تأوَّل الشؤم المذكور في هذه الثلاثة فقال : الشؤم في المسكن ضيقه وسوء جيرانه ، وفي المرأة سوء خلقها وألا تلد ، وفي الفرس جماحه وألا يُغزى عليه .
وهذا المعنى لا يليق بالحديث ، ونسبته إلى أنه هو مراد الشرع من فاسد الحديث ، وما ذكرناه أولى ، والله تعالى أعلم .