باب النهي عن الكهانة وعن إتيان الكهان وما جاء في الخط
( 2230 ) - [2171] وعَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً . وقوله " من أتى عرافًا لم تقبل له صلاة أربعين يومًا " ، العراف هو الحازي والمنجِّم الذي يدَّعي الغيب ، وهذا يدلّ على أن إتيان العرافين كبيرة ، وظاهره أن صلاته في هذه الأربعين تحبط وتبطل ، وهو خارج على أصول الخوارج الفاسدة في تكفيرهم بالذنوب ، وقد بيَّنا فساد هذا الأصل فيما تقدم ، وأنه لا يحبط الأعمال إلا الردة . وأما غيرها فالحسنات تبطل السيئات كما قال تعالى : إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ وهذا مذهب أهل السنَّة والجماعة ، فليس معنى قوله " لا تقبل له صلاة " أن تحبط ، بل إنما معناه - والله أعلم - أنَّها ج٥ / ص٦٣٦لا تقبل قبول الرضا وتضعيف الأجر .
لكنه إذا فعلها على شروطها الخاصة بها فقد برئت ذمّته من المطالبة بالصلاة وتُقصَى عن عهدة الخطاب بها ، ويفوته قبول المرضي عنه وإكرامه وثوابه ويتضح ذلك باعتبار ملوك الأرض ، ولله المثل الأعلى ، وذلك أن الْمُهدِي إما مردودٌ عليه أو مقبول منه ، والمقبول إما مقرَّب مُكرَّم مثاب وإما ليس كذلك ، فالأول هو المبعدُ المطرود ، والثاني هو المقبول القبول التام الكامل ، والثالث لا يصدق عليه أنه مثل الأول فإنه لم تردَّ هديته ، بل قد التفت إليه وقُبلت منه ، لكنه لما لم يُثب ولم يُقرَّب صار كأنه غير مقبول منه ، فيصدق عليه أنَّه لم يُقبل منه إذ لم يحصل له ثواب ولا إكرام . وتخصيصه - صلى الله عليه وسلم - الأربعين بالذكر قد جاء في مواضع كثيرة من الشرع ؛ منها : قوله في شارب الخمر " لا تقبل له صلاة أربعين يومًا " ، وقوله " والذي نفسي بيده ، إنه ليجمع خلق أحدكم في بطن أمه أربعين يومًا ، ثم يكون علقةً مثل ذلك ، ثم يكون مضغة مثل ذلك " ، وقوله " من أخلص لله أربعين ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه . ومنه قوله تعالى : وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ومنه توقيته - صلى الله عليه وسلم - في قص الشارب وتقليم الأظفار وحلق العانة ألا تترك أكثر من أربعين ليلة ، فتخصيص هذه المواضع بهذا العدد الخاص هو سرٌّ من أسرار الشريعة لم يطلع عليه نصًّا ، غير أنه قد تنسم منه بعضُ علمائنا أمرًا تسكن النفسُ إليه ، وذلك أنه قال : إن هذا العدد في هذه المواضع إنما خصَّ بالذكر لأنَّه مدَّة يكمل فيها ما ضربت له ، فينتقل إلى غيره ويحصل فيها تبدُّله وبيانه بانتقال أطوار الخلقة في كل أربعين منها يكمل فيها طور ، فينتقل عند انتهائه إلى غيره ، ج٥ / ص٦٣٧كما قد نصَّ عليه في الحديث ، وكذلك في الأربعين الميعادية : أمر بنو إسرائيل أن يكملوا تهيَّؤهم لسماع كلام الله ، فكمل لهم ذلك عند انتهائها ، ومثل ذلك في الأربعين الإخلاصية ، وأما أربعون شارب الخمر فليَتَبدَّل لحم شارب الخمر بغيره ، ويؤيده أن أهل التجارب قالوا : إن السمن يظهر في الحيوان في أربعين يومًا ، وقريبٌ من هذا الأربعون المضروبة لخصال الفطرة ؛ لأنَّها عند انتهائها يكمل فحشها واستقذارها ، فينبغي أن تغير عن حالها .
وأما أربعون إتيان العراف فلأنها - والله أعلم - المدة التي ينتهي إليها تأثير تلك المعصية في قلب فاعلها وفي جوارحه ، وعند انتهائها ينتهي ذلك التأثير ، والله تعالى أعلم .