باب في رمي النجوم للشياطين عند استراق السمع
( 20 ) باب في رمي النجوم للشياطين عند استراق السمع ( 2229 ) ( 124 ) - [2172] عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْأَنْصَارِ أَنَّهُمْ بَيْنَمَا هُمْ جُلُوسٌ لَيْلَةً مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُمِيَ بِنَجْمٍ فَاسْتَنَارَ ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَاذَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا رُمِيَ بِمِثْلِ هَذَا ؟ قَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، كُنَّا نَقُولُ : وُلِدَ اللَّيْلَةَ رَجُلٌ عَظِيمٌ ، وَمَاتَ رَجُلٌ عَظِيمٌ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَإِنَّهَا لَا يُرْمَى بِهَا لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ ، وَلَكِنْ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى اسْمُهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا سَبَّحَ حَمَلَةُ الْعَرْشِ ، ثُمَّ سَبَّحَ أَهْلُ السَّمَاءِ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ، حَتَّى يَبْلُغَ التَّسْبِيحُ أَهْلَ هَذِهِ السَّمَاءِ الدُّنْيَا ، ثُمَّ قَالَ الَّذِينَ يَلُونَ حَمَلَةَ الْعَرْشِ لِحَمَلَةِ الْعَرْشِ : مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ ؟ فَيُخْبِرُونَهُمْ مَاذَا قَالَ ، فَيَسْتَخْبِرُ بَعْضُ أَهْلِ السَّمَاوَاتِ بَعْضًا حَتَّى يَبْلُغَ الْخَبَرُ هَذِهِ السَّمَاءَ الدُّنْيَا ، فَيخْطَفُ الْجِنُّ السَّمْعَ فَيَقْذِفُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ ، وَيُرْمَوْنَ بِهِ ، فَمَا جَاؤوا بِهِ عَلَى وَجْهِهِ فَهُوَ حَقٌّ ، وَلَكِنَّهُمْ يَقْرفُونَ فِيهِ وَيَزِيدُونَ . وفي رواية : وَقَالَ اللَّهُ : حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ ( 20 ) ومن باب رمي الشياطين بالنجوم قوله " لكن ربُّنا إذا قضى أمرًا سبَّح حملة العرش " ؛ أي : أظهر قضاءه وما حكم به لملائكته ، لأنَّ قضاءه إنما هو راجع إلى سابق علمه ونفوذ مشيئته وحُكمه ، وهما أزليان ، فإذا اطّلع حملة العرش على ما سبق في علمه خضعت الملائكة لعظمته وضجَّت بتسبيحه وتقديسه ، فيسمع ذلك أهل السماء التي ج٥ / ص٦٣٨تليهم ، وهكذا ينتهي التسبيح لملائكة سماء الدنيا ، ثم يتساءلون فيما بينهم : ماذا قال ربكم ؟ على الترتيب المذكور في الحديث .
ففيه ما يدل على أن حملة العرش أفضل الملائكة وأعلاهم منزلة ، وأن فضائل الملائكة على حسب مراتبهم في السماوات ، وأن الكل منهم لا يعلمون شيئًا من الأمور إلا بأن يعلمهم الله تعالى به ، كما قال تعالى : عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ وفيه ما يدل على أن علوم الملائكة بالكائنات يستفيده بعضهم من بعض إلا حملة العرش ؛ فإنهم يستفيدون علومهم من الحق سبحانه وتعالى ، فإنَّهم هم المبدوؤون بالإعلام أولًا ، ثم إن ملائكة كل سماء تستفيد من التي فوقها ، وفي هذا دليل على أن النجوم لا يعرف بها علم الغيب ولا القضاء ، ولو كان كذلك لكانت الملائكة أعلم بذلك وأحق به ، وكل ما يتعاطاه المنجمون من ذلك فليس شيء منه علمًا يقينًا ، وإنَّما هو رجم بظن وتخمين بوهم ، الإصابة فيه نادرة ، والخطأ والكذب فيه غالب ، وهذا مشاهد من أحوال المنجمين ، والمطلوب من العلوم النجوميات ما يهتدى به في الظلمات وتعرف به الأوقات ، وما سوى ذلك فمخارق وتُرَّهات ، ويكفي في الرد عليهم ظهور كذبهم واضطراب قولهم ، وقد اتفقت الشرائع على أن القضاء بالنجوم محرَّم مذموم . وقوله " ولكنهم يقرفون فيه ويزيدون " ، هكذا عند ابن ماهان ، وهو من القرف وهو الخلط - قاله صاحب الأفعال ؛ أي : يخلطون فيها من الكذب . ج٥ / ص٦٣٩ورواه يونس " يُرَقَّون " بضم الياء وفتح الراء وتشديد القاف ، وفي بعض النسخ " يَرْقُون " بفتح الياء وتسكين الراء وتخفيف القاف ؛ أي يتقوَّلون ، يقال : رقي فلان على الباطل ؛ أي : تقوَّله - بكسر القاف ، وهو من الْرقي وهو الصعود ؛ أي : إنهم يقولون فوق ما سمعوا - قاله القاضي عياض .
وقوله : حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ ، قرأه ابن عامر ويعقوب " فَزَّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ " مبنيًا للفاعل ، ويكون فيه ضمير يعود على الله تعالى ؛ أي : أزال عن قلوبهم الفزع ، وهذا على نحو قولهم : مرَّضتُ المريض - إذا عالجته فأزلتُ مرضه . وقرأه الجماعة " فُزِّعَ " بضم الفاء مبنيًا للمفعول الذي لم يسم فاعله ؛ أي : أزيل عن قلوبهم الفزع ، وهو الذعر على كلتا القراءتين . قال كعب : إذا تكلَّم الله بلا كيف ضربت الملائكة بأجنحتها وخرَّت فزعًا ، ثم قالوا فيما بينهم : مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ ؟ وقوله : قَالُوا الْحَقَّ بالنصب على أنه نعت لمصدر محذوف ؛ أي : قال القول الحق ، وهو مفعول مطلق لا مفعول به ؛ لأنَّ القول لا يتعدَّى إلا إلى الجمل في أكثر قول النحويين .
وقوله : وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ؛ أي : العلي شأنه ، الكبير سلطانه . قلت : وهذا التفسير هو الموافق لهذا الحديث ، فتعيَّن أن يكون هو المراد من الآية ، وللمفسرين أقوال أخر بعيدة عن معنى الحديث أضربت عنها لذلك ، فمن أرادها وجدها في كتبهم .