حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم

باب الرؤيا الصادقة من الله والحلم من الشيطان

‎( ‎32 ) كتاب الرؤيا ( 1 ) باب الرؤيا الصادقة من الله والحلم من الشيطان وما يفعل عند رؤية ما يكره ( 2261 ) ( 2 و 3 ) [ 2173 ] عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قال : سَمِعْتُ أَبَا قَتَادَةَ يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : الرُّؤْيَا مِنْ اللَّهِ وَالْحُلْمُ مِنْ الشَّيْطَانِ، فَإِن رَأَى أَحَدُكُمْ شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَنْفُثْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ ، فَقَالَ : إِنْ كُنْتُ لَأَرَى الرُّؤْيَا أَثْقَلَ عَلَيَّ مِنْ الجَبَلٍ، فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ سَمِعْتُ بِهَا الْحَدِيث فَمَا أُبَالِيهَا . زاد في رواية : وليتحول عن جنبه الذي كان عليه . وفي أخرى : الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنْ اللَّهِ، ورؤْيَا السَّوْءُ مِنْ الشَّيْطَانِ، فَمَنْ رَأَى رُؤْيَا يَكَرِهَ مِنْهَا شَيْئًا فَلْيَنْفُثْ عَنْ يَسَارِهِ، وَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ ، لَا تَضُرُّهُ وَلَا يُخْبِرْ بِهَا أَحَدًا ، فَإِنْ رَأَى رُؤْيَا حَسَنَةً فَلْيُبْشِرْ وَلَا يُخْبِرْ بها إِلَّا مَنْ يُحِبُّ .

( 2262 ) ( 5 ) [ 2174 ] وعَنْ جَابِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : إِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ الرُّؤْيَا يَكْرَهُهَا فَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثًا، وَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ ثَلَاثًا، وَلْيَتَحَوَّلْ عَنْ جَنْبِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ . ( 32 ) كتاب الرؤيا [ ( 1 ) باب : الرؤيا الصادقة من الله والحلم من الشيطان وما يفعل عند رؤية ما يكره ] ( قوله : الرؤيا من الله ، والحلم من الشيطان ) ، الرؤيا : مصدر رأى في المنام رؤيا ، على وزن فعلى ، وألفه للتأنيث ؛ ولذلك لم ينصرف . والرؤية : مصدر رأى بعينه في اليقظة رؤية .

هذا المعروف من لسان العرب ، وقال بعض العلماء : إن الرؤيا قد تجيء بمعنى الرؤية ، وحمل عليه قوله تعالى : وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وقال : إنما يعني بها رؤية النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الإسراء لما أراه من عجائب السماوات والملكوت ، وكان الإسراء من أوله إلى آخره في اليقظة . وقد ذكرنا هذا في باب الإسراء من كتاب : الإيمان . والْحُلْم - بضم الحاء ، وسكون اللام - مصدر حَلَمت - بفتح الحاء واللام - إذا رأى في منامه رؤيا ، وتُجمع على أحلام في القلَّة ، وفي الكثرة حلوم ، وإنَّما جمع وإن كان مصدرًا لاختلاف أنواعه ، وهو في الأصل عبارة عما يراه الرائي في منامه حسنًا كان أو مكروها .

وأراد به النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ هنا ما يكره ، أو ما لا ينتظم ، على ما يأتي إن شاء الله تعالى . فأمَّا الحِلم - بكسر الحاء - ، فهو مصدر حَلُمَ - بضم اللام- يَحْلِمُ : إذا صفح وتجاوز حتى صار له ذلك كالغريزة . وتحلَّم : تكلف الحلم .

والْحَلم - بفتح الحاء - هو فساد الإهاب من الدباغ ، وتثقيبه فيه ، يقال منه : حَلِم الأديم- بكسر اللام - يحلم - بفتحها - : إذا صار كذلك . وقد اختلف الناس في كيفية الرؤيا قديمًا وحديثًا ، فقال غير المتشرعين أقوالاً كثيرة مختلفة ، وصاروا فيها إلى مذاهب مضطربة قد عَرِيت عن البرهان فأشبهت الهذيان . وسبب ذلك التخليط العظيم : الإعراض عما جاءت به الأنبياء من الطريق المستقيم .

وبيان ذلك : أن حقيقة الرؤيا إنما هي من إدراكات النفس ، وقد غُيِّب عنا علم حقيقتها . وإذا لم يعلم ذلك لعدم الطريق الموصل إليه ؛ كان أحرى ، وأولى ألا نعلم ما غيب عنا من إدراكاتها ، بل نقول : إنا لا نعلم حقيقة كثير مما قد انكشفت لنا جملته من إدراكاتها ، كحس السمع ، والعين ، والأذن ، وغير ذلك ، فإنا إنما نعلم منها أمورًا جملية ، لا تفصيلية ، وأوصافًا لازمة ، أو عرضية ، لا حقيقية ، وسبيل العاقل ألا يطمع في معرفة ما لم يُنْصَب له عليه دليل عقلي ، ولا حسي ، ولا مركب منهما ، إلا أن يخبر بذلك صادق ، وهو الذي دلَّ الدليل القطعي على صدقه ، وهم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ، فإنَّهم دلت على صدقهم دلائل المعجزات . وإذا كان كذلك : فسبيلنا أن نعرض عن أحوال المعرضين ، ونتشاغل بالبحث عن ذلك في كلام الشارع والمتشرعين .

قال الإمام أبو عبد الله : المذهب الصحيح ما عليه أهل السُّنَّة ، وهو : أن الله تعالى يخلق في قلب النائم اعتقادات ، كما يخلقها في قلب اليقظان . وهو تبارك اسمه يفعل ما يشاء ، وما يمنعه من فعله نوم ، ولا يقظة ، وكأنه سبحانه جعل هذه الاعتقادات علمًا على أمور أخر يخلقها في ثاني حال ، أو كان قد خلقها . وقال غيره : إن لله تعالى ملكًا موكلاً يعرض المرئيَّات على المحل المدرك من النائم ، فيمثل له صورًا محسوسة ، فتارة تكون تلك الصور أمثلة موافقة لما يقع في الوجود ، وتارة تكون أمثلة لمعان معقولة غير محسوسة .

وفي الحالتين تكون مبشرة ومنذرة . قلت : وهذا مثل الأول في المعنى ، غير أنه زاد فيه قضية الْمَلَك ، ويحتاج في ذلك إلى توقيف من الشرع ، إذ يجوز أن يخلق الله تعالى تلك التمثيلات من غير مَلَك . وقيل : إن الرؤيا إدراك أمثلة منضبطة في التخيل جعلها الله إعلامًا على ما كان ، أو يكون ، [ وهو أشبهها ] .

فإنَّ قيل : كيف يقال : إن الرؤيا إدراك مع أن النوم ضد الإدراك ، فإنه من الأضداد العامة ، كالموت ، فلا يجتمع معه إدراك ؟ فالجواب : أن الجزء المدرك من النائم لم يحلَّه النوم ، فلم يجتمع معه ، فقد تكون العين نائمة ، والقلب يقظان ، كما قاله النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : إن عيني تنامان ، ولا ينام قلبي . وإنما قال : منضبطة في التخيل ، لأنَّ الرائي لا يرى في منامه إلا من نوع ما أدركه في اليقظة بحسِّه ، غير أنه قد تركب المتخيَّلات في النوم تركيبًا يحصل من مجموعها صورة لم يوجد لها مثال في الخارج ، تكون علمًا على أمر نادر ، كمن يرى في نومه موجودًا رأسه رأس الإنسان وجسده جسد الفرس مثلاً ، وله جناحان ، إلى غير ذلك مما يمكن من التركيبات التي لا يوجد مثلها في الوجود ، وإن كانت آحادُ أجزائها في الوجود الخارجي . وإنَّما قال : جعلها الله إعلامًا على ما كان ، أو يكون ، لأنَّه يعني به : الرؤيا الصحيحة المنتظمة الواقعة على شروطها على ما يأتي إن شاء الله تعالى .

ثم : إن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد ذكر أنواع الرؤيا هنا . وفيما رواه الترمذي من حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : الرؤيا ثلاث : فرؤيا حق ، ورؤيا يحدِّث المرء بها نفسه ، ورؤيا تحزين من الشيطان . وذكر الحديث .

فرؤيا الحق : هي المنتظمة التي لا تخليط فيها ، وقد سَمَّاها في رواية أخرى : الصادقة . وفي أخرى : الصالحة ، وهي التي يحصل بها التنبيه على أمر في اليقظة صحيح ، وهي - التي إذا صدرت من الإنسان الصالح - جزء من أجزاء النبوة ، أي : خصلة من خصال الأنبياء التي بها يعلمون الوحي من الله تعالى . وأما الثانية : فهي التي تكون عن أحاديث نفس متوالية ، وشهواتٍ غالبة ، وهموم لازمة ، ينام عليها ، فيرى ذلك في نومه ، فلا التفات إلى هذا ، وكذلك الثالثة .

فإنها تحزين ، وتهويل ، وتخويف ، يدخل كل ذلك الشيطان على الإنسان في نومه ليشوش يقظته . وقد يجتمع هذان السببان ، أعني : هموم النفس ، وألقيات الشيطان في منام واحد ، فتكون أضغاث أحلام لاختلاطها . والضغث : هي القبضة من الحشيش المختلط .

و ( قوله : الرؤيا من الله ) ، أي : بشرى من الله ، أو تحذير وإنذار . و ( قوله : والحلم من الشيطان ) ، يعني به : ما يلقيه مما يهوِّل ، أو يخوف ، أو يحزن به . وهذا النوع هو المأمور بالاستعاذة منه ، لأنَّه من تخييلات الشيطان وتشويشاته ، فإذا استعاذ الرائي منه صادقًا في التجائه إلى الله تعالى ، ونفث عن يساره ثلاثًا ، وتحوَّل عن جنبه كما أمره النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في هذا الحديث ، وصلى ، أذهب الله عنه ما أصابه ، وما يخافه من مكروه ذلك ، ولم يصبه منه شيء ببركة صدق الالتجاء إلى الله تعالى ، وامتثال أوامر رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ .

وعلى هذا فيكون قوله : فإذا رأى أحدكم ما يكره ، إنَّما يعني به : ما يكون سببه الشيطان . وقيل : بل الخبر بحكم عمومه يتناول ما يسببه الشيطان ، وما لا يسببه مما يكرهه الرائي . ويكون فعل هذه الأمور كلها مانعًا من وقوع ذلك المكروه .

كما يقال : إن الدعاء يدفع البلاء ، والصَّدقة تدفع ميتة السوء . وكل ذلك بقضاء الله تعالى وقدره ، ولكن الوسائط والأسباب عاديات لا موجودات . وفائدة أمره بالتحول عن جنبه الذي كان عليه ليتكامل استيقاظه ، وينقطع عن ذلك المنام المكروه .

وفائدة الأمر بالصلاة أن تكمل الرغبة ، وتصح الطلبة ، فإنَّ أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد . و ( قول أبي سلمة : فما أباليها ) ، أي : ما ألتفت إليها ، ولا ألقي لها بالاً ، أي : لا أخطرها على فكري ثقة بالله تعالى ، وبما أمر به رسوله - صلى الله عليه وسلم - .

هذا المحتوى شرحٌ لـ4 أحاديث
موقع حَـدِيث