باب أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثا وباب الرؤيا الصالحة جزء من أجزاء النبوة
( 2 ) باب أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثا ( 2263 ) [ 2175] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ لَمْ تَكَدْ رُؤْيَا الْمُسْلِمِ تَكْذِبُ، وَأَصْدَقُكُمْ رُؤْيَا أَصْدَقُكُمْ حَدِيثًا، وَرُؤْيَا الْمُسْلِمِ جُزْءٌ مِنْ خَمْسة وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ، وَالرُّؤْيَا ثَلَاثَةٌ : بُشْرَى مِنْ اللَّهِ، وَرُؤْيَا تَحْزِينٌ مِنْ الشَّيْطَانِ، وَرُؤْيَا مِمَّا يُحَدِّثُ الْمَرْءُ به نَفْسَهُ، فَإِذا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يَكْرَهُ فَلْيَقُمْ فَلْيُصَلِّ، وَلَا يُحَدِّثْ بِهَا النَّاسَ ، قَالَ : وَأُحِبُّ الْقَيْدَ، وَأَكْرَهُ الْغُلَّ، وَالْقَيْدُ ثَبَاتٌ فِي الدِّينِ . قال أيوب : فَلَا أَدْرِي هُوَ فِي الْحَدِيثِ أَمْ قَالَهُ ابْنُ سِيرِينَ . ( 3 ) باب الرؤيا الصالحة جزء من أجزاء النبوة ( 2264 ) [ 2176 ] عن عبادة بن الصامت قال : قَالَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ .
( 2263 ) [ 2177] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ . وفي رواية : رؤيا الرجل الصالح . ( 2265 ) [ 2178 ] وعَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ .
( 2 ، 3 ) ومن باب : أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا ( قوله : " إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المسلم تكذب " ) قيل في اقتراب الزمان قولان : أحدهما : تقارب الليل والنهار في الاعتدال ، وهو الزمان الذي تتفتق فيه الأزهار ، وتينع فيه الثمار ، وموجب صدق الرؤيا في ذلك الزمان اعتدال الأمزجة ج٦ / ص١١فيه ، فلا يكون في المنام أضغاث الأحلام ، فإنَّ من موجبات التخليط فيها غلبة بعض الأخلاط على صاحبها . وثانيهما : أن المراد بذلك : آخر الزمان المقارب للقيامة . وقد روي عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من طريق معمر ، عن أيوب ، عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أنه قال : " في آخر الزمان لا تكذب رؤيا المؤمن " .
قلت : ويعني - والله أعلم - بآخر الزمان المذكور في هذا الحديث : زمان الطائفة الباقية مع عيسى ـ عليه السلام ـ بعد قتله الدجال المذكور في حديث عبد الله بن عمرو الذي قال فيه : " فيبعث الله عيسى ابن مريم ، ثم يمكث في الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة ، ثم يرسل الله ريحًا باردة من قبل الشام فلا تبقي على وجه الأرض أحدًا في قلبه مثقال ذرٍّة من خير أو إيمان إلا قبضته " ، فكان أهل هذا الزمان أحسن هذه الأمَّة بعد الصدر المتقدِّم حالاً ، وأصدقهم أقوالاً ، وكانت رؤياهم لا تكذب ، كما قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا " ، وكما قال : " رؤيا الرجل الصالح جزء من النبوة " . وقوله : " لم تكد تكذب " ، أي : لم تقارب الكذب ، وقد تكلَّمنا على كاد وأخواتها من أفعال المقاربة فيما تقدَّم . وقوله : " أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا " ، إنما كان ذلك لأن : من كثر صدقه تنوِّر قلبه ، وقوي إدراكه ، فانتقشت فيه المعاني على وجه الصِّحة ج٦ / ص١٢والاستقامة ، وأيضًا فإن من كان غالبُ حاله الصدق في يقظته استصحب ذلك في نومه ، فلا يرى إلا صدقًا .
وعكس ذلك : الكاذب والْمُخلِّط يَفسد قلبه ، ويُظلم ، فلا يرى إلا تخليطًا وأضغاثًا ، هذا غالب حال كل واحد من الفريقين ، وقد يندرُ فيرى الصادقُ ما لا يصح ، ويرى الكاذب ما يصح ، لكن ذلك قليل ، والأصل ما ذكرناه . و ( قوله : " رؤيا المسلم جزء من خمسة وأربعين جزءًا من النبوة " ، وفي حديث عبادة : " رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا " ، وفي رواية عن أبي هريرة : " رؤيا الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءا " ، [ وفي أخرى عنه : " الرؤيا الصالحة " ، وفي رواية : " رؤيا الرجل الصالح ستة وأربعون جزءًا من النبوة " ] . وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما : " الرؤيا الصالحة جزء من سبعين " .
وفي غير كتاب مسلم عن ابن عباس : " جزء من أربعين " . وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما : " جزء من سبعة وأربعين " . وفي حديث العباس ـ رضي الله عنه ـ : " من خمسين " ، وعن أنس ـ رضي الله عنه ـ : " من ستة وعشرين " ، وعن عبادة بن الصامت ـ رضي الله عنه ـ : " من أربعة وأربعين " .
قال أبو عبد الله المازري : والأكثر والأصح عند أهل الحديث : " من ستة وأربعين ". وحكي عن بعض الناس : أنه نزل هذا الحديث بهذه الرواية على مدة الوحي للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وذلك أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أقام يوحى إليه ثلاثًا وعشرين سنة ، منها ستة أشهر ج٦ / ص١٣يوحى إليه في نومه ، وذلك في أول أمره . وقد اعترض عليه بأن هذه المدة لم يصحَّ نقل تحديدها ، ولا هو معروف ، فتقديره تحكُّم .
قلت : القدر الذي اختلف الرواة فيه من هذا الحديث أمران : أحدهما : من أضيفت الرؤيا إليه ، فتارة سكت عنه ، وأخرى قيل فيه : المسلم ، وفي أخرى : المؤمن ، وفي أخرى : الصالح . وهذا الأمر : الخلاف فيه أهون من الخلاف في الأمر الثاني ، وذلك : أنه حيث سكت عنه لم يضر السكوت عنه ، مع العلم بأن الرؤيا مضافة إلى راءٍ ما ، فإذا صرح به في موضع آخر فهو المعني ، وأما حيث نطق به فالمراد به واحد وإن اختلفت الألفاظ . وذلك أن الرؤيا لا تكون من أجزاء النبوة إلا إذا وقعت من مسلم صادق صالح ، وهو الذي يناسب حاله حال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأكرم بنوع مما أكرم به الأنبياء ، وهو الاطلاع على شيء من علم الغيب ، كما قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصادقة في النوم .
يراها الرجل الصالح ، أو ترى له " ، فإنَّ الكافر ، والكاذب ، والمخلِّط - وإن صدقت رؤياهم في بعض الأوقات - لا تكون من الوحي ، ولا من النبوة ، إذ ليس كل من صدق في حديث عن غيب يكون خبره ذلك نبوة . وقد قدَّمنا : أن الكاهن يخبر بكلمة الحق ، وكذلك المنجم قد يحدِس فيصدق ، لكن على الندور والقلَّة . وكذلك الكافر ، والفاسق ، والكاذب .
وقد يرى المنام الحق ، ويكون ذلك المنام سببًا في شرٍّ يلحقه ، أو أمرٍ يناله . إلى غير ذلك من الوجوه المعتبرة ج٦ / ص١٤المقصودة به . وقد وقعت لبعض الكفار منامات صحيحة صادقة ، كمنام الملك الذي رأى سبع بقرات ، ومنام الفتيين في السجن ، ومنام عاتكة عمَّة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ونحوه كثير ، لكن ذلك قليل بالنسبة إلى مناماتهم المخلطة والفاسدة ، فهذا هو الأمر الأول .
وأما الأمر الثاني : وهو اختلاف عدد أجزاء النبوة التي جعلت رؤيا الرجل الصالح واحدا منها : فاختلفت الرواية فيه من ستة وعشرين إلى سبعين ، كما قد ذكرناه ، وأكثرها في الصحيحين ، وكلها مشهور فلا سبيل إلى أخذ أحدها ، وطرح الباقي ، كما قد فعل أبو عبد الله المازري ، فإنَّه قد يكون بعض ما ترك أولى مما قبل إذا بحثنا عن رجال أسانيدها ، وربما ترجَّح عند غيره غير ما اختاره هو ، فإذًا : الوجه الذي يتعيَّن المصير إليه أن يقال : إن هذه الأحاديث - وإن اختلفت ألفاظها - متفقة على أن الرؤيا الصالحة من الرجل الصالح جزء من أجزاء النبوة . فهذه شهادة صحيحة من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لها بأنها وحي من الله تعالى ، وأنها صادقة لا كذب فيها . ولذلك قال مالك وقد قيل له : أيفسر الرؤيا كل أحد ؟ فقال : أيلعب بالوحي ؟ ! وإذا كانت هكذا فتعيَّن على الرائي أن يعتني بها ، ويسعى في تفهُّمها ، ومعرفة تأويلها ، فإنَّها إما مبشرة له بخير ، أو محذرة له من شر ، فإنَّ أدرك تأويلها بنفسه ، وإلا سأل عنها من له أهليَّة ذلك ، وهو اللبيب الحبيب .
ولذلك كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول إذا أصبح : " هل رأى أحدٌ منكم الليلة رؤيا فليقصها ، أعبرها له ؟ " ، فكانوا يقصُّون عليه ، ويَعْبُرُ . وقد سلك أصحابه [ ذلك المسلك في حياته ، وبعد وفاته ، وقد كان صلى الله عليه وسلم يقتبس ] الأحكام من منامات أصحابه ، كما فعل في رؤيا الأذان ، وفي ج٦ / ص١٥رؤيا ليلة القدر . وكل ذلك بناءً على أنها وحي صحيح .
وإذا تقرَّر هذا فلا يضرنا الاضطراب [ الذي وقع في عدد تلك الأجزاء مع حصول المقصود من الخير ، غير أن علماءنا قد راموا إزالة ذلك الاضطراب ] ، وتأوَّلوه تأويلات ، فلنذكرها ، وننبه على الأقرب منها ، وهي أربع : الأول : ما صار إليه أبو عبد الله . وقد ذكرناه ، وما ورد عليه . الثاني : أن المراد بهذا الحديث : أن المنام الصادق خصَّلة من خصال النبوة .
كما جاء في الحديث الآخر : " التؤدة ، والاقتصاد ، وحسن السمت جزء من ستة وعشرين جزءًا من النبوة " ، أي : النبوة مجموع خصال مبلغ أجزائها ستة وعشرون ، هذه الثلاثة الأشياء جزء واحدٌ منها ، وعلى مقتضى هذه التجزئة : كل جزء من الستة والعشرين ثلاثة أشياء في نفسه ، فإذا ضربنا ثلاثة في ستة وعشرين صحَّ لنا أن عدد خصال النبوة من حيث آحادها ثمانية وسبعون . ويصحُّ أن يسمَّى كل اثنين من الثمانية والسبعين جزءًا وخصلة ، فيكون جميعها بهذا الاعتبار تسعة وثلاثين جزءًا ، ويصحُّ أن يسمَّى كل أربعة منها جزءًا ، فيكون مجموع أجزائها بهذا الاعتبار تسعة عشر جزءًا ونصف جزء ، فتختلف أسماء العدد المجزَّأ بحسب اختلاف اعتبار الأجزاء ، وعلى هذا : فلا يكون اختلاف أعداد أجزاء النبوَّة في أحاديث الرؤيا المذكورة اضطرابًا ، وإنَّما هو اختلاف اعتبار مقادير تلك الأجزاء المذكورة . والله تعالى أعلم .
الثالث : ما أشار إليه الطبري ، وهو : أن هذا الاختلاف راجعٌ إلى اختلاف حال الرائي . فالمؤمن الصَّالح تكون نسبة رؤياه من ستة وأربعين ، وغيرُ الصالح من ج٦ / ص١٦سبعين ، ولهذا لم يشترط في رواية السَّبعين في وصف الرائي ما اشترطه في وصفه في رواية : " ستة وأربعين " ، فإنَّه شرط فيها الصَّلاح في الرائي ، وسكت عن اشتراطه في رواية السبعين . قلت : وهذا فيه بُعدٌ ، لما قدَّمناه من صحَّة احتمال حمل مطلق الرِّوايات على مقيدها ، وبما قد روي عن ابن عباس : " الرؤيا الصالحة جزء من أربعين " .
وسكت فيه عن ذكر وصف الرائي . وكذلك حديث عبد الله بن عمرو حين ذكر سبعة وأربعين . وحديث العبَّاس حين ذكر خمسين .
الرابع : قيل : يحتمل أن تكون هذه التجزئة في طرق الوحي ، إذ منه ما سُمِع من الله تعالى دون واسطة ، كما قال : مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ومنه بواسطة الملك ، كما قال : أَوْ يُرْسِلَ رَسُولا ومنه ما يُلقى في القلب ، كما قال : إِلا وَحْيًا أي : إلهامًا ، ثمَّ منه ما يأتيه الملك على صورته ، ومنه ما يأتيه على صورة آدمي يعرفه ، ومنه ما يتلقاه منه وهو لا يعرفه ، ومنه ما يأتيه في مثل صلصلة الجرس ، ومنه ما يسمعه من الملك قولاً مُفصَّلاً ، إلى غير ذلك من الأحوال التي كانت تختلف على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الوحي وحالاته المختلفة ، فتكون تلك الحالات إذا عُدِّدت غايتها انتهت إلى سبعين . قلت : ولا يخفى ما في هذا الوجه من البُعد والتساهل ، فإنَّ تلك الأعداد كلها إنما هي أجزاء النبوَّة ، وأكثر هذه الأحوال التي ذكرت هنا ليست من النبوة في شيء لكونه يعرف الملك ، أو لا يعرفه ، أو يأتيه على صورته ، أو على غير صورته ، ثمَّ مع هذا التكلف العظيم لم يقدر أن يبلغ عدد ما ذكر إلى ثلاثين . ج٦ / ص١٧قلت : وأشبه ما ذكر في ذلك : الوجه الثاني ، مع أنَّه لم تَثْلَجُ النفسُ به ، ولا طاب لها .
وقد ظهر لي وجه خامس - وأنا أستخير الله في ذكره - وهو : أن النبوَّة معناها : أن يُطلع الله من يشاء من خلقه على ما يشاء من أحكامه ووحيه : إما بالمشافهة ، وإما بواسطة ملك ، أو بإلقاء في القلب ، لكن هذا المعنى المسمَّى بالنبوَّة لا يخص الله به إلا من خصَّه بصفات كمال نوعه من المعارف ، والعلوم ، والفضائل ، والآداب ، ونزهه عن نقائص ذلك . ولذلك قال سبحانه : اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلا وَمِنَ النَّاسِ وقال : اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ، وقال تعالى لما ذكر الأنبياء : أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ وقال : كُلا هَدَيْنَا وقال لنبيِّه ـ صلى الله عليه وسلم ـ : وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ فقد حصل من هذا : أن النبوَّة لم يخص الله بها إلا أكمل خلقه ، وأبعدهم عن النقائص . ثم : إنه لما شرفهم بالنبوَّة حصلت لهم بذلك على جميع نوعهم الخصوصية ، فلما كانت النبوَّة لا يخص الله بها إلا من حصلت له خصال الكمال أطلق على تلك الخصال : نبوة ، كما قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " التؤدة والاقتصاد ، والسَّمت الحسن جزء من النبوة " ، أي : من خصال الأنبياء ، لكن الأنبياء في هذه الخصال متفاضلون ، كما قال تعالى : وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وقال : تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ فتفاضلهم بحسب ما وهب لكل واحد منهم من تلك الصفات ، وشرَّف به من تلك الحالات ، وكل منهم الصدق أعظم صفته في نومه ويقظته ، وكانوا تنام أعينهم ، ولا تنام قلوبهم ، فنائمهم يقظان ، ووحيهم في النوم واليقظة سيَّان ، فمن ناسبَهُم في الصِّدق حصل من رؤياه على الحق ، غير أنه لما ج٦ / ص١٨كان الأنبياء في مقاماتهم وأحوالهم متفاضلين ، وكان كذلك أتباعهم من الصَّادقين ، وكان أقل خصال كمال الأنبياء ما إذا اعتُبر كان ستًّا وعشرين جزءًا ، وأكثر ما يكون من ذلك سبعين ، وبين العددين مراتب مختلفة بحسب ما اختلفت ألفاظ تلك الأحاديث .
وعلى هذا : فمن كان من غير الأنبياء في صلاحه وصدقه على رتبة تناسب كمال نبيٍّ من الأنبياء ، كانت رؤياه جزءًا من نبوة ذلك النبي ، وكمالاتهم متفاضلة كما قرَّرناه ، فنسبة أجزاء منامات الصَّادقين متفاوتة على ما فصلناه . وبهذا الذي أظهر الله لنا يرتفع الاضطراب . والله الموفق للصَّواب .
و ( قوله : " والرؤيا ثلاثة : بشرى من الله " ) أي : مُبشرة بخير ، ومحذرة عن شرٍّ ، فإن التحذير عن الشرِّ خيرٌ ، فتتضمَّنه البشرى . وإنَّما قلنا ذلك هنا لأنَّه قد قال في حديث الترمذي المتقدِّم : " الرؤيا ثلاثة : رؤيا من الله " مكان : " بشرى من الله " ، فأراد بذلك - والله أعلم - الرؤيا الصادقة المبشرة والمحذرة . وقوله : " ورؤيا تحزين " ، ويلحق بالرؤيا المحزنة المفزعات ، والمهوِّلات ، وأضغاث الأحلام ، إذ كل ذلك مذموم ، لأنها من آثار الشيطان ، وكل ما ينسب إليه مذموم .
و ( قوله : " ورؤيا مِمَّا يحدِّث المرء به نفسه " ) يدخل فيه ما يلازمه المرء في يقظته من الأعمال ، والعلوم ، والأقوال ، وما يقوله الأطباء : من أن الرؤيا تكون عن خلطٍ غالب على الرائي ، فيرى في نومه ما يناسب ذلك الخلط ، فمن يغلب عليه البلغم رأى السباحة في الماء وما أشبهه ، لمناسبة الماء طبيعة البلغم . ومن غلبت عليه الصفراء رأى النيران والصعود في الارتفاع ، لمناسبة النَّار في الطبيعة طبيعة الصفراء . وهكذا يقولون في بقية الأخلاط ، ونحن ننازعهم في موضعين : أحدهما : في أصل تأثير الطبيعة ، فإنَّ قالوا : إن الطبيعة سببٌ عادي ، ج٦ / ص١٩والله تعالى هو الفاعل بالحقيقة .
وهو مذهب المسلمين ، فهو الحق . وإن قالوا : إن الطبيعة تفعل ذلك بذاتها ، حكمنا بتكفيرهم ، وانتقل الكلام إلى علم الكلام . والثاني : أن من أراد منهم أن الرؤيا لا تكون إلا عن الأخلاط ، فهو باطل بما قد ثبت عن الصادق فيما ذكرناه من الأحاديث : أن الرؤيا منها ما يكون من الله ، وهي المبشرة ، والمحذرة .
وهذا من باب الخير ، وليس في قوة الطبيعة أن تطلع على الغيب بالإخبار عن أمور مستقبلة تقع في المستقبل على نحو ما اقتضته الرؤيا بالاتفاق بين العقلاء . ومن أراد منهم : أن الأخلاط قد تكون سببًا لبعض المنامات ، فقد يسلم ذلك على ما قرَّرناه ، ثمَّ يبقى نظر آخر ، وهو أنه لو كان ما رتبوه صحيحًا للزم عليه ألا يرى من غلب عليه خلط من تلك الأخلاط إلا ما يناسبه ، ونحن نشاهد خلافه ، فيرى البلغمي النيران ، والصعود في الارتفاعات ، وعكس ذلك في الصفراوي ، فبطل ما قالوه بالمشاهدة ، والله وليُّ المعاضدة . و ( قوله : " فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقم فليصل " ) ليس هذا مخالفًا لقوله في الرواية الأخرى : " فلينفث عن يساره ثلاثًا ، وليتعوَّذ بالله من شرِّها ، وليتحوَّل عن جنبه الذي كان عليه " ، وإنما الأمر بالصلاة زيادة ، فينبغي أن تزاد على ما في هذه الرواية ، فيفعل الجميع .
ويحتمل أن يقال : إنما اقتصر في هذا الموضع على ذكر الصلاة وحدها ، لأنَّه إذا صلَّى تضمَّن فعله للصلاة جميع تلك الأمور ، لأنَّه إذا قام إلى الصلاة تحوَّل عن جنبه ، وإذا تمضمض نفث وبصق ، وإذا قام إلى الصلاة تعوَّذ ودعا ، وتفرغ لله تعالى في ذلك في حالٍ هي أقرب الأحوال إجابة ، كما قدَّمناه ، والله تعالى أعلم . و ( قوله : " ولا يخبر بها أحدًا " ) أي : لا يعلق نفسه بتأويلها ، إذ لا تأويل ج٦ / ص٢٠لها ، فإنها من ألقيات الشيطان التي يقصد بها التشويش على المؤمن ، إما بتحزين ، وإما بترويع ، أو ما أشبه ذلك . وفعل ما ذكر كاف في دفع ذلك ، ومانع من أن يعود الشيطان لمثل ذلك ، وهذا هو الذي فهمه أبو سلمة من الحديث ، والله تعالى أعلم ، فقال : إن كنت لأرى الرؤيا أثقل عليَّ من الجبل ، فما أباليها .
وفي أصل كتاب مسلم قال : كنت أرى الرؤيا أعرى لها ، غير أني لا أزَّمَّل ، أي : تصيبني العرواء ، وهي الرعدة . وقال في رواية أخرى : إن كنت لأرى الرؤيا فتمرضني غير أنِّي لا أزَّمَّل لها . والتزميل : اللف ، والتَّدثير ، يعني : أنها ما كانت تدوم عليه فيحتاج إلى أن يدَّثَّر ، لكنه بنفس ما كان يفعل ما أمر به النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من النفث والتعوُّذ وغيره يزول عنه ذلك ، ببركة الصدق ، والتصديق ، والامتثال .
وفائدة هذا : ألا يشغل الرائي نفسه بما يكره في نومه ، وأن يعرض عنه ، ولا يلتفت إليه ، فإنَّه لا أصل له . هذا هو الظاهر من الأحاديث ، والله أعلم . و ( قوله : " وأحبُّ القيد ، وأكره الغُلَّ .
إلى آخره " ) ظاهره : أنه من قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ غير أن أيوب السختياني هو الذي روى هذا الحديث عن محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة ، وقد أخبر عن نفسه : أنه شكَّ هل هو من قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أو من قول ابن سيرين ، فلا يعوَّل على ذلك الظاهر ، غير أن هذا المعنى صحيح في العبارة لأن ج٦ / ص٢١القيد في الرجلين ، وهو يُثبِّت الإنسان في مكانه ، فإذا رآه من هو على حال ما على رجليه كان ذلك دليلاً على ثبوته على تلك الحالة ، فإذا رآه من هو من أهل الدين والعلم كان ثباتًا على تلك الحال . ولو رأى المريض قيدًا في رجليه لكان ذلك دليلاً على دوام مرضه . وإنما كره الغل لأنَّه لا يُجعل إلا في الأعناق نكاية ، وعقوبة ، وقهرًا ، وإذلالاً .
فيسحب على وجهه ، ويجر على قفاه ، كما قال تعالى : إِذِ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ ومنه قوله تعالى : غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا و ج٦ / ص٢٢جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالا فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ وعلى الجملة : فهو مذموم شرعًا وعادة . فرؤيته في النوم دليلٌ على وقوع حالة سيئة بالرائي تلازمه ، ولا ينفك عنها ، وقد يكون ذلك في دينه ، كواجبات فرَّط فيها ، أو معاصٍ ارتكبها ، أو ديونٍ ، وحقوقٍ لازمة له . وقد يكون ذلك في دنياه من شدائد تصيبه ، أو أنكاد تلازمه .
وبالجملة : فالمعتبر في أعظم أصول العبارة النظر إلى أحوال الرائي واختلافها ، فقد يرى الرائيان شيئًا واحدًا ، ويدل في حق أحدهما على خلاف ما يدل عليه في حق الآخر .