باب رؤية النبي صلى الله عليه وسلم
( 4 ) باب رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ( 2266 ) ( 10 و 11 ) ( 2267 ) [ 2179 ] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ بِي . وفي رواية : مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فسيراني في اليقظة ، أو : لكأنما رآني في اليقظة ؛ لا يتمثل الشيطان بي . وفي أخرى : من رآني فقد رأى الحق .
( 2268 ) ( 12 و 13 ) [ 2180 ] وعن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ رَآنِي فِي المنَامِ فَقَدْ رَآنِي فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلشَّيْطَانِ أَنْ يَتَشَبَّهَ بِي . وفي رواية : أن يتمثل في صورتي . ( 4 ) ومن باب : رؤية النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في المنام ( قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " من رآني في المنام فقد رآني فإنَّ الشيطان لا يتمثل بي " ، وفي أخرى : " فإنَّ الشيطان لا ينبغي أن يتشبه بي " ، وفي أخرى : " لا ينبغي أن يتمثل في صورتي " ) ، وفي غير كتاب مسلم : " لا يتكوَّنُني " .
اختلف في معنى هذا الحديث ، فقالت طائفة من القاصرين : هو على ظاهره ، فمن رآه في النوم رأى حقيقته ، كما يرى في اليقظة . وهو قول يُدرَك فساده بأوائل العقول ، فإنَّه يلزم عليه ألا يراه أحدٌ إلا على صورته التي توفي عليها ، ويلزم عليه ألا يراه رائيان في وقت واحد في ج٦ / ص٢٣مكانين ، ويلزم عليه أن يحيا الآن ، ويخرج من قبره ، ويمشي في الناس ، ويخاطبهم ، ويخاطبونه كحالته الأولى التي كان عليها ، ويخلو قبره عنه ، وعن جسده ، فلا يبقى منه فيه شيء فيزار غير جدث ، ويُسلَّم على غائب ، لأنَّه يُرى في الليل والنهار مع اتصال الأوقات على حقيقته ، في غير قبره . وهذه جهالات لا يبوء بالتزام شيء منها من له أدنى مسكة من المعقول ، وملتزم شيء من ذلك مختل مخبول .
وقالت طائفة أخرى : إنما معناه : أن من رآه على صفته التي كان عليها في الدنيا فمنامه ذلك هو الصحيح ، ورؤيته له حق ، فإنَّ الشيطان لا يتصوَّر بصورته التي كان عليها . قلت : وهذا يلزم منه : أن من رآه على غير صفته التي كان عليها في الدنيا لا تكون رؤيته حقًّا ، ويكون من باب أضغاث الأحلام . ومن المعلوم : أنه يجوز أن يرى في النوم على حالة تخالف ما كان عليها في الوجود من الأحوال اللائقة به ، ومع ذلك : فتقع تلك الرؤيا حقًّا كما إذا رؤي قد ملأ بلدة ، أو دارًا بجسمه ، فإنَّه يدلّ على امتلاء تلك البلدة بالحق والشرع ، وتلك الدار بالبركة .
وكثيرًا ما وقع نحو هذا ، وأيضًا : فلو تمكَّن الشيطان من التمثُّل في شيء مما كان عليه ، أو نسب إليه لما صدق مطلقًا قوله : " فإنَّ الشيطان لا يتمثل بي " ، فإنَّه إذا تمثل ببعض صفاته وأحواله فقد تمثل به ، فالأولى أن تنزه رؤية النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أو رؤية شيء من أحواله ، أو مما ينسب إليه عن تمكُّن الشيطان من شيء منه . ونفي جميع ذلك مطلقًا أبلغ في الحرمة ، وأليق بالعصمة ، وكما عصم من الشيطان في يقظته في كل أوقاته ، كذلك عصم منه [ في منامه ] مع اختلاف حالاته . فالصحيح في معنى هذا الحديث - إن شاء الله تعالى - أن يقال : إن مقصوده الشهادة منه ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأن رؤيته في النوم على أي حال كان ليست باطلة ، ولا من أضغاث الأحلام ، بل هي حق في ج٦ / ص٢٤نفسها ، وإن تصوير تلك الصورة ، وتمثيل ذلك المثال ليس من قبل الشيطان ، إذ لا سبيل له إلى ذلك ، وإنما ذلك من قبل الله تعالى .
وهذا مذهب القاضي أبي بكر وغيره من المحققين . وقد شهد لذلك قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " من رآني فقد رآني الحق " ، أي : الحق الذي قصد إعلام الرائي به ، وإذا كانت تلك حقًّا فينبغي أن يبحث عن تأويلها ، ولا يُهمل أمرها ، فإنَّ الله تعالى إنما مثَّل ذلك للرائي بشرى ، فينبسط للخير ، أو إنذارًا لينزجر عن الشر . أو تنبيهًا على خير يحصل له في دين ، أو دنيا .
والله تعالى أعلم . تنبيه : قد قررنا أن المدرك في المنام أمثلة للمرئيات لا أنفس المرئيات ، غير أن تلك الأمثلة تارة تكون مطابقة لحقيقة المرئي ، وقد لا تكون مطابقة . ثم المطابقة قد تظهر في اليقظة على نحو ما أدركت في النوم ، كما
قد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال لعائشة : " أريتك في سَرَقَةٍ من حرير ، فإذا هي أنت "، ومعناه : أنه رآها في نومه على نحو ما رآها في يقظته .
قلت : وقد وقع لي هذا مرات . منها : أني لما وصلت إلى تونس قاصدًا إلى الحج سمعت أخبارًا سيِّئةٍ عن البلاد المصرية من جهة العدو الذي غلب على دمياط ، فعزمت على المقام بتونس إلى أن ينجلي أمر العدو ، فأُريت في النوم كأني في مسجد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأنا جالس قريبًا من منبره ، وأُناس يسلمون على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فجاءني بعض من سلَّم عليه ، فانتهرني وقال : قم فسلِّم على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فقمت فشرعت في السلام على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فاستيقظت ، وأنا أسلِّم عليه ، فجدَّد الله لي عزمًا ، ويَسَّر عليَّ فيما كان قد صعب من أسبابي ، وأزال عني ما كنت أتخوَّفه من أمر العدو ، وسافرت إلى أن وصلت إلى الإسكندرية عن مدة مقدارها ثلاثون يومًا ج٦ / ص٢٥في كتف السلامة ، فوجدتها والديار المصرية على أشد خوف ، وأعظم كرب ، والعدو قد استفحل أمره ، وعظمت شوكته ، فلم أكمل في الإسكندرية عشرة أيام حتى كسر الله العدو ، ومكن منه من غير صُنع أحد من المخلوقين ، بل : بلطف أكرم الأكرمين ، وأرحم الراحمين . ثم : إن الله تعالى كمَّل عليَّ إحسانه ، وإنعامه ، وأوصلني بعد حجِّ بيته إلى قبر نبيه ومسجده ، فرأيته والله في اليقظة على النحو الذي رأيته في المنام من غير زيادة ولا نقصان .
ومنها : أني تزوجت امرأة ، وقبل الدخول بها حدثت عن صفتها ما أوقع في قلبي نُفرة ، فأريتها في النوم على الصفة التي كانت عليها في بيتها ، ثم إني لما اجتمعت بها وجدتها هي التي أريتها في النوم . ونحو هذا كثير . وأما إذا لم يظهر في اليقظة كذلك ، فيعلم أن المقصود بتلك الصورة معناها لا عينها ، وكذلك الحكم إذا خالف ذلك المثال صورة المرئي نفسه إما بزيادة ، أو نقصان ، أو تغيُّر لون ، أو حدوث عيب ، أو زيادة عضو ، أو عين ، أو غير ذلك .
والمقصود بذلك أيضًا : التنبيه على معاني تلك الأمور ، وإذا تقرر هذا فيجوز أن يرى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في النوم على صفته التي كان عليها في الوجود ، ويكون من فوائد ذلك : تسكين شوق الرائي ، لكونه مُستهتِرًا بمحبته ، وليعمل على مشاهدته وهذا هو الذي أشار إليه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لَمَّا قال : " من رآني في المنام فسيراني في اليقظة " ، أي : من رآني رؤية معظِّمٍ لحرمتي ، ومُشتاقٍ لمشاهدتي ، وصل إلى رؤية محبوبه ، وظفر بكل مطلوبه . ويجوز أن يكون مقصود ذلك المنام معنى صورته ، وهو دينه وشريعته ، ج٦ / ص٢٦فيعبَّر بحسب ما رآه الرائي من زيادة ، أو نقصان ، أو إساءة ، أو إحسان ، وكذلك الحكم إذا رأى على خلاف الصورة التي كان عليها مما يجوز عليه . فأمَّا رؤية الله تعالى في النوم : فقد قال القاضي عياض : لم يختلف العلماء في جواز صحة رؤية الله تعالى في المنام .
وإن رئي على صفة لا تليق بجلاله من صفات الأجسام ، يتحقق أن ذلك المرئي غير ذات الله تعالى ، إذ لا يجوز عليه التجسيم ، ولا اختلاف الحالات ، بخلاف رؤية النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فكانت رؤيته تبارك وتعالى في النوم من باب التمثيل والتخييل . وقال القاضي أبو بكر - رحمه الله - : رؤية الله تعالى في النوم أوهام وخواطر في القلب بأمثال لا تليق به بالحقيقة ، ويتعالى سبحانه وتعالى عنها ، وهي دلالات للرائي على أمر مما كان أو يكون ، كسائر المرئيات . وقال غيره : رؤية الله في المنام حقٌّ وصدقٌ لا كذب فيها ، لا في قول ولا في فعل .
و ( قوله : " من رآني في المنام فسيراني في اليقظة " ، أو : " لكأنما رآني في اليقظة " ) ، هذا شكٌّ من الراوي ، فإنَّ كان اللفظ الأول هو الصحيح ، فتأويله ما ج٦ / ص٢٧ذكرناه . وإن كان الثاني هو الصحيح ، فمعناه : أن رؤيته حق وصدق كما قدمناه . والله تعالى أعلم .