باب كونه مختارا من خيار الناس في الدنيا وسيدهم يوم القيامة
( 2278 ) ( 3 ) [ 2190 ] وعن أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ، وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ . و ( قوله : " أنا أوَّل من ينشق عنه القبر " ) يعني : أنه أول من يعجل إحياؤه ج٦ / ص٤٩مبالغة في إكرامه ، وتخصيصًا له بتعجيل جزيل إنعامه . ويعارض هذا قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في حديث آخر : " أنه أول من يبعث ، فيجد موسى متعلِّقًا بساق العرش " .
وسيأتي هذا مبيَّنًا في باب : ذكر موسى ـ عليه السلام ـ إن شاء الله تعالى . و ( قوله : " وأول شافع ، وأول مشفع " ) قد تقدَّم القول في الشفاعة وأقسامها في الإيمان . ومقصود هذا الحديث أن يُبيَّن أنه لا يتقدَّمه شافع ، لا من الملائكة ، ولا من النبيين ، ولا من المؤمنين ، في جميع أقسام الشفاعات ، على أن الشفاعة العامة لأهل الموقف خاصَّة لا تكون لغيره .
وهذه المنزلة أعظم المراتب وأشرف المناقب ، وهذه الخصائص والفضائل التي حدَّث بها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن نفسه ، إنما كان ذلك منه لأنها من جملة ما أمر بتبليغه ، لما يترتب عليها من وجوب اعتقاد ذلك ، وأنه حق في نفسه ، وليرغب في الدخول في دينه ، وليتمسك به من دخل فيه ، وليعلم قدر نعمة الله عليه في أن جعله من أمَّة من هذا حاله ، ولتعظم محبَّته في قلوب مُتَّبعيه ، فتكثر أعمالهم ، وتطيب أحوالهم ، فيحشرون في زمرته ، وينالون الحظَّ الأكبر من كرامته . وعلى الجملة فيحصل بذلك شرف الدنيا ، وشرف الآخرة ، لأنَّ شرف المتبوع متعدٍّ لشرف التابع على كل حال . فإن قيل : كل هذا راجع للاعتقاد ، وكيف يحصل القطع بذلك من أخبار الآحاد ؟ فالجواب : أن من سمع شيئًا من تلك الأمور من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مشافهة حصل له العلم بذلك ، كما حصل للصحابة السامعين منه ، ومن لم يشافهه ، فقد يحصل له العلم بذلك من جهة التواتر المعنوي ، إذ قد كثرت بذلك الظواهر ، وأخبار الآحاد حتى حصل لسامعها العلم القطعي بذلك المراد .