باب في رحمة رسول الله صلى الله عليه وسلم للصبيان
( 13 ) باب في رحمة رسول الله صلى الله عليه وسلم للصبيان والعيال والرقيق ( 2317 ) [ 2228 ] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : قَدِمَ نَاسٌ مِنْ الْأَعْرَابِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : أَتُقَبِّلُونَ صِبْيَانَكُمْ؟ فَقَالُوا : نَعَمْ، قَالُوا : لَكِنَّا وَاللَّهِ مَا نُقَبِّلُ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَأَمْلِكُ أنْ كَانَ اللَّهُ نَزَعَ مِنْكُمْ الرَّحْمَةَ؟! . وفي رواية : من قلبك . ( 2318 ) [ 2229 ] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ أَبْصَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَبِّلُ الْحَسَنَ، فَقَالَ : إِنَّ لِي عَشْرَةً مِنْ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ وَاحِدًا مِنْهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّهُ مَنْ لَا يَرْحَمْ لَا يُرْحَمْ .
ج٦ / ص١٠٨( 13 ) ومن باب : رحمة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ للصبيان والعيال قوله : " وأملك أن كان الله نزع الرَّحمة من قلبك ؟! " كذا وقع هذا اللفظ محذوف همزة الاستفهام ، وهي مرادة ، تقديره : أو أملك ؟ وكذا جاء هذا اللفظ في البخاري بإثباتها ، وهو الأحسن ، لقلة حذف همزة الاستفهام . و" أن " مفتوحة ، وهي مع الفعل بتأويل المصدر ، تقديرها : أو أملك كون الله نزع الرَّحمة من قلبك ؟! وقد أبعد من كسرها ، ولم تصح رواية الكسر . ومعنى الكلام : نفي قدرته ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن الإتيان بما نزع الله من قلبه من الرحمة .
والرحمة في حقِّنا : هي رقَّة وحُنُوّ يجده الإنسان في نفسه عند مشاهدة مبتلى ، أو ضعيف ، أو صغير ، يحمله على الإحسان إليه ، واللطف به ، والرفق ، والسعي في كشف ما به . وقد جعل الله هذه الرحمة في الحيوان كله - عاقله وغير عاقله - فبها تعطف الحيوانات على نوعها ، وأولادها ، فتحنو عليها ، وتلطف بها في حال ضعفها وصغرها . وحكمة هذه الرحمة تسخير القوي للضعيف ، والكبير للصغير حتى ينحفظ نوعه ، وتتم مصلحته ، وذلك تدبير اللطيف الخبير .
وهذه الرحمة التي جعلها الله في القلوب في ج٦ / ص١٠٩هذه الدار ، وتحصل عنها هذه المصلحة العظيمة هي رحمة واحدة من مائة رحمة ادَّخرها الله تعالى ليوم القيامة ، فيرحم بها عباده المؤمنين وقت أهوالها ، وشدائدها حتى يخلصَهم منها ، ويدخلهم في جنته ، وكرامته . ولا يفهم من هذا أن الرحمة التي وصف الحق ُ بها نفسه هي رقَّة وحُنُو ، كما هي في حقِّنا ، لأنَّ ذلك تغيُّر يوجب للمتصف به الحدوث ، والله تعالى منزه ومقدَّس عن ذلك ، وعن نقيضه الذي هو القسوة ، والغلظ ، وإنما ذلك راجعٌ في حقِّنا إلى ثمرة تلك الرأفة ، وفائدتها ، وفي اللطف بالمبتلى ، والضعيف ، والإحسان إليه ، وكشف ما هو فيه من البلاء ، فإذا هي في حقه سبحانه وتعالى من صفات الفعل لا من صفات الذات ، وهذا كما تقدَّم في غضبه تعالى ورضاه في غير موطن . وإذا تقرر هذا ، فمن خلق الله تعالى في قلبه هذه الرحمة الحاملة له على الرفق ، وكشف ضر المبتلى ، فقد رحمه الله تعالى بذلك في الحال ، وجعل ذلك علامة على رحمته إياه في المآل ، ومن سلب الله ذلك المعنى منه ، وابتلاه بنقيض ذلك من القسوة والغلظ ، ولم يلطف بضعيف ، ولا أشفق على مبتلى ، فقد أشقاه في الحال ، وجعل ذلك علمًا على شقوته في المآل ، نعوذ بالله من ذلك ، ولذلك قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " الراحمون يرحمهم الرحمن " .
وقال : " لا يرحم الله من عباده إلا الرحماء " . وقال : " لا تنزع ج٦ / ص١١٠الرحمة إلا من شقي " ، وقال : " من لا يَرحم لا يُرحم " . وفي هذه الأحاديث ما يدلّ على جواز تقبيل الصغير على جهة الرحمة ، والشفقة ، وكراهة الامتناع من ذلك على جهة الأنفة .
وهذه القبلة هي على الفم ، ويكره مثل ذلك في الكبار ، إذ لم يكن ذلك معروفًا في الصدر الأول ، ولا يدل على شفقة . فأما تقبيل الرأس فإكرام عند من جرت عادتهم بذلك كالأب والأم . وأما تقبيل اليد فكرهه مالك ، ورآه من باب الكبر ، وإذا كان ذلك مكروهًا في اليد كان أحرى في الرِّجْل ، وقد أجاز تقبيل اليد والرِّجل بعض الناس ، مستدلاً بأن اليهود قبَّلوا يد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ورجليه حين سألوه عن مسائل ، فأخبرهم بها ، ولا حجة في ذلك ، لأنَّ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد نزهه الله عن الكبر ، وأمن ذلك عليه ، وليس كذلك غيره ، ولأن ذلك أظهر من اليهود تعظيمه ، واعتقادهم صدقه ، فأقرَّهم على ذلك ليتبين للحاضرين - بإذلالهم أنفسهم له - ما عندهم من معرفتهم بصدقه ، وأن كفرهم بذلك عناد وجحد .
ولو فهمت الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ جواز تقبيل يده ورجله لكانوا أوَّل سابق إلى ذلك ، فيفعلون ذلك به دائمًا وفي كل وقت ، كما كانوا يتبركون ببزاقه ، ونخامته ، ويدلكون بذلك وجوههم ، ويتطيبون بعرقه ، ويقتتلون على وضوئه ، ولم يرو قطُّ عن واحد منهم بطريق صحيح أنه قبل له يدًا ولا رجلاً ، فصحَّ ما قلناه ، والله ولي التوفيق .