باب في ذكر إبراهيم عليه السلام
) باب في ذكر إبراهيم عليه السلام ( 2369 ) [ 2280 ] عَنْ أَنَسِ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا خَيْرَ الْبَرِيَّةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ذَاكَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَام ( 29 ) ومن باب ذكر إبراهيم ـ عليه السلام ـ قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ للذي قال له : يا خير البرية : ذاك إبراهيم البرية : الخلق ، وتهمز ، ولا تهمز ، وقد قرئ بهما ، واختلف في اشتقاقها ، فقيل : هي مأخوذة من البراء ، وهي : التراب . فعلى هذا لا يهمز . وقيل : هي مأخوذة من برأ الله الخلق - بالهمز - ، أي : خلقهم ، وعلى هذا فيهمز ، وقد يكون من هذا ، وتسهل همزتها ، كما سهلوا همزة خابية ، وهي من : خبأت مهموزًا .
والبرية في الوجهين : فعيلة بمعنى مفعولة ، وقد عارض هذا الحديث قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : أنا سيِّد ولد آدم . وما علم من غير ما موضع من الكتاب والسُّنَّة ، وأقوال السلف والأمَّة : أنه أفضل ولد آدم ، وقد انفصل عن هذا بوجهين : أحدهما : أن ذلك من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على جهة التواضع ، وترك التطاول على الأنبياء ، كما قال : أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر ، وأنا أكرم ولد آدم على ربي يوم القيامة ولا فخر . وخصوصًا على إبراهيم ، الذي هو أعظم آبائه وأشرفهم .
وثانيهما : أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال ذلك قبل أن يعلم بمنزلته عند الله تعالى ، ثم إنه أعلم بأنه أكرم وأفضل ، فأخبر به كما أمر ، ألا ترى أنه كان في أول أمره يسأل أن يبلغ درجة إبراهيم من الصلاة عليه والرحمة ، والبركة ، والخلة ، ثم بعد ذلك أخبرنا أن الله تعالى قد أوصله إلى ذلك لما قال : إن الله تعالى قد اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً ثم بعد ذلك زاده الله من فضله ، فشرَّفه ، وكرَّمه ، وفضله على جميع خلقه ، وقد أورد على كل واحد من هذين الوجهين استبعاد . قال : رُدَّ على الأول ، أن قيل : كيف يصح من الصادق المعصوم أن يخبر عن الشيء بخلاف ما هو عليه لأجل التواضع والأدب ، والوارد على الثاني : أن ذلك خبر عن أمر وجودي ، والأخبار الوجودية لا يدخلها النسخ . والجواب عنهما : أن يقال : إن ذلك ليس إخبارًا عن الشيء بخلاف ما هو عليه ، فإنه تواضع يمنع إطلاق ذلك اللفظ عليه ، وتأدب مع أبيه بإضافة ذلك اللفظ إليه ، ولم يتعرض للمعنى ، فكأنه قال : لا تطلقوا هذا اللفظ علي ، وأطلقوه على أبي إبراهيم أدبًا معه ، واحترامًا له .
ولو صرَّح بهذا لكان صحيحًا غير مستبعد ، لا عقلاً ، ولا نقلاً ، وهذا كما قال : لا تفضلوني على موسى أي : لا تقولوا : محمد أفضل من موسى مخافة أن يُخيَّل نقص في المفضول ، كما قدَّمناه ويأتي . بهذا أظهر هذا اللفظ أن ذلك راجع إلى منع إطلاق لفظ وإباحته ، فذلك خبر عن الحكم الشرعي ، لا عن المعنى الوجودي ، وإذا ثبت ذلك جاز رفعه ، ووضعه ، وصحَّ الحكم به ، ونسخه من غير تعرُّض للمعنى ، والله أعلم . سلَّمنا أنه خبر عن أمر وجودي ، لكن لا نسلم أن كل أمر وجودي لا يتبدل ، بل : منها ما يتبدل ، ولا يلزم من تبدله تناقض ، ولا محال ، ولا نسخ ، كالإخبار عن الأمور الوضعية .
وبيان ذلك : أن معنى كون الإنسان مكرَّما مفضلاً ، إنما ذلك بحسب ما يُكرَّم به ، ويُفضل على غيره ، ففي وقت يُكرَّم بما يُساوي فيه غيره ، وفي وقت يزاد على ذلك الغير ، وفي وقت يُكرَّم بشيء لم يُكرَّم به أحد ، فيقال : غلبه في المنزلة الأولى مُكرَّم مُقرَّب ، وفي الثانية مُفضل بقيد . وفي الثالثة ، مُفضل مطلقًا ، ولا يلزم من ذلك تناقض ، ولا نسخ ، ولا مُحال ، وهذا واضح وحسن جدًّا فاغتبط عليه ، وشدَّ عليه يدًا .