باب في قول النبي صلى الله عليه وسلم لا تخيروا بين الأنبياء
( 34 ) باب في قول النبي صلى الله عليه وسلم : لا تخيروا بين الأنبياء ( 2373 ) ( 159 و 160 ) [ 2291 ] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : بَيْنَمَا يَهُودِيٌّ يَعْرِضُ سِلْعَةً لَهُ أُعْطِيَ بِهَا شَيْئًا، كَرِهَهُ - أَوْ لَمْ يَرْضَهُ - قَالَ : لَا وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام عَلَى الْبَشَرِ . قَالَ : فَسَمِعَهُ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَلَطَمَ وَجْهَهُ، قَالَ : تَقُولُ وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام عَلَى الْبَشَرِ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا؟! قَالَ : فَذَهَبَ الْيَهُودِيُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا أَبَا الْقَاسِمِ! إِنَّ لِي ذِمَّةً وَعَهْدًا ، وَقَالَ : فُلَانٌ لَطَمَ وَجْهِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لِمَ لَطَمْتَ وَجْهَهُ؟ قَالَ : قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ : وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام عَلَى الْبَشَرِ، وَأَنْتَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا! قَالَ : فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى عُرِفَ الْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ قَالَ : لَا تُفَضِّلُوا بَيْنَ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَيَصْعَقُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ، قَالَ : ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ أُخْرَى، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يبعثَ - أَوْ : فِي أَوَّلِ مَنْ يبعثَ - وفي رواية : أول من يفيق من غير شك - فَإِذَا مُوسَى آخِذٌ بِالْعَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَحُوسِبَ بِصَعْقَتِهِ يَوْمَ الطُّورِ أَوْ بُعِثَ قَبْلِي، وَلَا أَقُولُ : إِنَّ أَحَدًا أَفْضَلُ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى عَلَيْهِ السَّلَام . وفي رواية : فَلَا أَدْرِي أَكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ فَأَفَاقَ قَبْلِي، أَمْ كَانَ مِمَّنْ اسْتَثْنَى اللَّهُ عز وجل .
( 34 ) ومن باب قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : لا تخيروا بين الأنبياء . أي : لا تقولوا فلان خير من فلان ، وفي الرواية الأخرى : لا تفضلوا أي : لا تقولوا فلان أفضل من فلان . يقال : خيَّر فلان بين فلان وفلان .
وفضَّل - مشدَّدًا - : إذا قال ذلك . واختلف العلماء في تأويل هذا الحديث على أقوال ، فمنهم من قال : إن هذا كان قبل أن يوحى إليه بالتفضيل ، ويتضمَّن هذا الكلام : أن الحديث معارض لقوله تعالى : تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ولِمَا في معنى ذلك من الأحاديث ، وأن القرآن ناسخ للمنع من التفضيل ، وهذا لا يصح حتى تتحقق المعارضة حيث لا يمكن الجمع بوجه ، وحتى يُعرف التاريخ ، وكل ذلك غير صحيح على ما يأتي ، فليس هذا القول بصحيح ، ومنهم من قال : إنما قال ذلك النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على جهة التواضع ، والأدب مع الأنبياء ، وهذا فيه بُعد ، لأنَّ السبب الذي خرج عليه هذا النهي يقتضي خلاف ذلك ، فإنَّه إنما قال ذلك ردعًا وزجرًا للذي فضَّل . ألا ترى أنه قد غضب عليه حتى احمر وجهه ، ونهى عن ذلك ، فدلَّ على أن التفضيل يحرم .
ولو كان من باب الأدب والتواضع لما صدر منه ذلك . ومنهم من قال : إنما نهى عن الخوض في ذلك ، لأنَّ ذلك ذريعة إلى الجدال في ذلك ، فيؤدي إلى أن يذكر منهم ما لا ينبغي أن يذكر ، ويقل احترامهم عند المماراة ، وهذا كما نهي عنه من الجدال في القرآن والمماراة . ومنهم من قال : مقتضى هذا النهي : إنما هو المنع من تفضيل معيَّن من الأنبياء على معيَّن ، أو على ما يقصد به معيَّن ، وإن كان اللفظ عامًا ، لأنَّ ذلك قد يفهم منه نقص في المفضول كما بيَّنَّاه ، فيما تقدَّم .
قلت : ويدلّ على ذلك : أنه قد جاء في بعض روايات هذا الحديث في الأم : لا تفضلوني على موسى ، وبدليل قوله : لا أقول إن أحدًا أفضل من يونس بن متى فإنَّ قيل : فالحديث يدلّ على خلاف هذا ، فإنَّ اليهودي فضل موسى على البشر . والمسلم قال : والذي اصطفى محمدًا على البشر . وعند ذلك قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : لا تفضلوا بين الأنبياء ، ولا تخيروا بين الأنبياء فاقتضى ذلك المنع من التفضيل مطلقًا معينًا وغير معين ، فالجواب : أن مراد اليهودي كان إذ ذاك أن يصرح بأن موسى أفضل من محمد ، لكنَّه لم يقدر على ذلك خوفًا على نفسه ، ألا ترى أن المسلم فهم ذلك عنه ، فأجابه بما يقتضي أن محمدًا أفضل من موسى ، غير أنَّه قابل لفظ اليهودي بمثله ، وقد بيَّن ذلك غاية البيان قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : لا تفضلوني على موسى فنهاهم عن ذلك ، ثم إنا قد وجدنا نبيَّنا ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : أنا أكرم ولد آدم على ربي ، و أنا سيد ولد آدم ، ولم يذهب أحدٌ من العلماء إلى أن هذا منسوخ ، ولا مرجوح .
قلت : وهذا الوجه وإن كان حسنًا ، فأولى منه أن يحمل الحديث على ظاهره من منع إطلاق لفظ التفضيل بين الأنبياء ، فلا يجوز في المعين منهم ، ولا غيرهم ، ولا يقال : فلان النبي أفضل من الأنبياء كلهم ، ولا من فلان ، ولا خير ، كما هو ظاهر هذا النهي ، لما ذكر من توهم النقص في المفضول ، وإن كان غير معين ، ولأن النبوة خصلة واحدة لا تفاضل فيها ، وإنَّما تفاضلوا بأمور غيرها كما بيَّناه قبل هذا الباب . ثم إن هذا النهي يقتضي منع إطلاق ذلك اللفظ لا منع اعتقاد ذلك المعنى ، فإنَّ الله تعالى قد أخبرنا بأن الرسل متفاضلون كما قال تعالى : تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وكما قد علمنا أن نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد خُصَّ بخصائص من الكرامات والفضائل بما لم يُخصّ به أحدٌ منهم ، ومع ذلك فلا نقول : نبينا خير من الأنبياء ، ولا من فلان النبي اجتنابا لما نهى عنه ، وتأدبًا بأدبه ، وعملاً باعتقاد ما تضمنه القرآن من التفضيل ، ورفعا لما يتوهم من المعارضة بين السُّنَّة والتنزيل . و ( قوله : إنه ينفخ في الصور فيصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ) أصل الصعق ، والصعقة : الصوت الشديد المنكر ، كصوت الرعد ، وصوت الحمار ، وقد يكون معه موت لشدَّته .
وهو المراد بقوله : فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وقد تكون معه غشية ، وهو المراد بقوله تعالى : وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فإنَّ كان معه نار فهو الصاعقة ، والعرب كلها تقدم العين على القاف إلا بني تميم ، فإنَّهم يقدمون القاف على العين ، فيقولون : الصاقعة ، حكاها القاضي عياض . وقد اختلف في المستثنى : من هو ؟ فقيل : الملائكة ، وقيل : الأنبياء ، وقيل : الشهداء . والصحيح : أنه لم يرد في تعيينهم خبر صحيح ، والكل محتمل ، والله أعلم .
و الصُّور قيل : إنه جمع صورة ، والصحيح ما قد صح عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال : الصُّور قرن ينفخ فيه . وسيأتي له مزيد بيان . واختلف في عدد النفخات ، فقيل : ثلاثة : نفخة الفزع ، ونفخة الصعق ، ونفخة البعث .
وقيل : هما نفختان : نفخة الفزع هي نفخة الصعق ، لأنَّ الأمرين لازمان لها . والله تعالى أعلم . و ( قوله : ثم ينفخ فيه أخرى ، فأكون أول من يبعث ، أو : من أول من يبعث ) هذا شك من الراوي تزيله الرواية الأخرى التي قال فيها : فأكون أول من يفيق ، وكذلك الحديث المتقدم الذي قال فيه : أنا أول من ينشق عنه القبر ويبعث ) يعني به : يحيا بعد موته ، وهو الذي عبر عنه في الرواية الأخرى بـ أفيق ) وإن كان المعروف : أن الإفاقة إنما هي من الغشية ، والبعث من الموت ، لكنهما لتقارب معناهما أطلق أحدهما مكان الآخر ، ويحتمل أن يراد بالبعث الإفاقة على ما يأتي بعد هذا إن شاء الله تعالى .
و ( قوله : فإذا موسى متعلِّق بساق بالعرش ) هذا من موسى تعلق فزع لهول المطلع ، وكأنه متحرِّم بذلك المحل الشريف ، ومتمسك بالفضل المنيف . و ( قوله : فلا أدري أحوسب بصعقة الطور ، أو بعث قبلي ) هذا مشكل بالمعلوم من الأحاديث الدَّالة على أن موسى ـ عليه السلام ـ ، قد توفي وأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد رآه في قبره ، وبأن المعلوم المتواتر : أنه توفي بعد أن ظهر دينه ، وكثرت أمَّته ، ودفن بالأرض ، ووجه الإشكال : أن نفخة الصَّعق إنما يموت بها من كان حيًّا في هذه الدار ، فأمَّا من مات فيستحيل أن يموت مرة أخرى ، لأنَّ الحاصل لا يستحصل ، ولا يبتغى ، وإنما ينفخ في الموتى نفخة البعث ، وموسى قد مات ، فلا يصحُّ أن يموت مرَّة أخرى ، ولا يصحُّ أن يكون مستثنى ممن صُعق ، لأنَّ المستثنيين أحياء لم يموتوا ، ولا يموتون ، فلا يصحُّ استثناؤهم من الموتى ، وقد رام بعضهم الانفصال عن هذا الإشكال ، فقال : يحتمل أن يكون موسى ممن لم يمت من الأنبياء ، وهذا قول باطل بما ذكرناه . قال القاضي عياض : يحتمل أن المراد بهذه الصعقة : صعقة فزع بعد النشر حين تنشق السماوات والأرضون ، قال : فتستقل الأحاديث والآيات .
قلت : وهذه غفلة عن مساق الحديث ، فإنَّه يدلّ على بطلان ما ذكر دلالة واضحة ، فإنَّ النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : إنه حين يخرج من القبر فيلقى موسى ، وهو متعلق بالعرش ، وهذا كان عند نفخة البعث ، ثم إن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عندما يرى موسى يقع له تردد في موسى على ظاهر هذا الحديث ، هل مات عند نفخة الصعق المتقدِّمة على نفخة البعث ، فيكون قد بعث قبله ، أو لم يمت عند نفخة الصعق لأجل الصعقة التي صعقها على الطور ، جعلت له تلك عوضًا من هذه ، وعلى هذا فكان حيًّا حالة نفخة الصعق ، ولم يصعق ، ولم يمت ، وحينئذ يبقى الإشكال إذ لم يحصل عنه انفصال . قلت : والذي يُزيحه - إن شاء الله تعالى - أن يقال : إن الموت ليس بعدم ، وإنَّما هو انتقال من حالٍ إلى حال ، وقد ذكرنا ذلك فيما تقدَّم ، ويدل على ذلك أن الشهداء بعد قتلهم وموتهم أحياء عند ربهم يرزقون فرحين مستبشرين ، فهذه صفات الأحياء في الدُّنيا ، وإذا كان هذا في الشهداء كان الأنبياء بذلك أحق وأولى ، مع أنه قد صحَّ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : أن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء ، وأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد اجتمع بالأنبياء ليلة الإسراء في بيت المقدس ، وفي السماء ، وخصوصًا بموسى ـ عليه السلام ـ . وقد أخبرنا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بما يقتضي أن الله تعالى يرد عليه روحه حتى يرد السلام على كل من يسلم عليه ، إلى غير ذلك مما ورد في هذا المعنى ، وهو كثير بحيث يحصل من جملته القطع بأن موت الأنبياء إنما هو راجع إلى أنهم غيبوا عنا بحيث لا ندركهم ، وإن كانوا موجودين أحياء ، وذلك كالحال في الملائكة فإنَّهم موجودون أحياء ، ولا يراهم أحدٌ من نوعنا إلا من خصَّه الله بكرامة من أوليائه ، وإذا تقرر أنهم أحياء فهم فيما بين السماء والأرض ، فإذا نفخ في الصور نفخة الصعق صعق كل من في السماوات والأرض إلا من شاء الله ، فأمَّا صعق غير الأنبياء فموت ، وأما صعق الأنبياء ، فالأظهر أنه غشية ، فإذا نفخ في الصور نفخة البعث ممن مات حيي ، ومن غشي عليه أفاق ، ولذلك قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : فأكون أول من يفيق ) وهي رواية صحيحة وحسنة .
فهذا الذي ظهر لي ، والحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله . وقد تحصل من هذا الحديث : أن نبينا محمدًا ـ صلى الله عليه وسلم ـ مُحَقَّقٌ أنه أول من يفيق ، وأول من يخرج من قبره قبل الناس كلهم ، الأنبياء وغيرهم ، إلا موسى ـ عليه السلام ـ فإنَّه حصل له فيه تردد : هل بعث قبله ، أو بقي على الحالة التي كان عليها قبل نفخة الصعق ، وعلى أي الحالين كان فهي فضيلة عظيمة لموسى ـ عليه السلام ـ ليست لغيره ، والله تعالى أعلم . ﴿الحمد لله ربِّ العالمين ﴾، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدِّين .
حسبنا الله تعالى ونعم الوكيل . علَّقه الفقير إلى الله تعالى محمد بن عيسى بن محمد بن دريك عفا الله عنهم . نجز الجزء الثالث من المفهم بشرح كتاب مسلم ، يتلوه - إن شاء الله تعالى كتاب : فضائل الصحابة ، والحمد لله .
اللهم يسر لنا طريقًا إلى العلم ، وتوفيقًا إلى الفهم ، وأصلح نياتنا فيهما ، إنك لما تشاء فعَّال ، وأنت حسبنا ونعم الوكيل .