حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم

باب فضائل أبي بكر الصديق واستخلافه رضي الله عنه

‎( ‎35 ) باب فضائل أبي بكر الصديق واستخلافه - رضي الله عنه - ( 2381 ) [ 2292 ] عن أبي بَكْرٍ الصِّدِّيقَ قَالَ : نَظَرْتُ إِلَى أَقْدَامِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى رُؤوسِنَا، وَنَحْنُ فِي الْغَارِ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ إِلَى قَدَمَيْهِ أَبْصَرَنَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ، فَقَالَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم : يَا أَبَا بَكْرٍ مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا . ( 35 ) ومن باب فضائل أبي بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ واسمه عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرَّة بن كعب بن لؤي . يجتمع نسبه مع نسب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في مرَّة بن كعب ، وسَمَّاه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالصِّدِّيق ، رواه عنه علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ ، وسَمَّاه بذلك لكثرة تصديقه .

ويُسمَّى بعتيق ، وفي تسميته بذلك ثلاثة أقوال : أحدها : أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : من أراد أن ينظر إلى عتيق من النار فلينظر إلى أبي بكر روته عائشة . والثاني : أنه اسم سمَّته به أمُّه ، قاله موسى بن طلحة . والثالث : أنه سُمِّي به لجمال وجهه ، [ قاله الليث بن سعد ، وقال ابن قتيبة : لقبه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بذلك لجمال وجهه ] ، وهو أول من أسلم من الرجال ، وقد أسلم على يديه من العشرة المشهود لهم بالجنة خمسة : عثمان ، وطلحة ، والزبير ، وعبد الرحمن بن عوف ، وسعد بن أبي وقاص ـ رضي الله عنهم ـ .

قال الإمام الحافظ أبو الفرج الجوزي : جملة ما حفظ له من الحديث عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مائة واثنان وأربعون حديثًا ، أخرج له منها في الصحيحين ثمانية عشر حديثًا . قلت : ومن المعلوم القطعي ، واليقين الضروري أنه حفظ من حديث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما لم يحفظ أحدٌ من الصحابة ، وحصل له من العلم ما لم يحصل لأحد منهم ، لأنَّه كان الخليل المباطن ، والصَّفي الملازم ، لم يفارقه سفرًا ولا حضرًا ، ولا ليلاً ولا نهارًا ، ولا شدَّة ولا رخاءً ، وإنَّما لم يتفرغ للحديث ، ولا للرواية ، لأنَّه اشتغل بالأهم فالأهم ، ولأن غيره قد قام عنه من الرواية بالمهم . وإذا تقرر ذلك فاعلم : أن الفضائل جمع فضيلة ، كرغائب جمع رغيبة ، وكبائر جمع كبيرة ، وهو كثير ، وأصلها الخصلة الجميلة التي بها يحصل للإنسان شرف ، وعلو منزلة وقدر ، ثم ذلك الشَّرف ، وذلك الفضل إما عند الخلق ، وإما عند الخالق ، فأمَّا الأول : فلا يلتفت إليه إن لم يوصل إلى الشرف المعتبر عند الخالق .

فإذًا : الشرف المعتبر ، والفضل المطلوب على التحقيق ، إنما هو الذي هو شرف عند الله تعالى . وإذا تقرر هذا ، فإذا قلنا إن أحدًا من الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ فاضل ، فمعناه أن له منزلة شريفة عند الله تعالى ، وهذا لا يتوصل إليه بالعقل قطعًا ، فلا بدَّ أن يرجع ذلك إلى النقل ، والنقل إنما يُتلقى من الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فإذا أخبرنا الرَّسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بشيء من ذلك تلقيناه بالقبول ، فإنَّ كان قطعيًا حصل لنا العلم بذلك ، وإن لم يكن قطعيًا كان ذلك كسبيل المجتهدات على ما تقدَّم ، وعلى ما ذكرناه في الأصول ، وإذا لم يكن لنا طريق إلى معرفة ذلك إلا بالخبر ، فلا يقطع أحد بأن من صدرت منه أفعال دينية وخصال محمودة ، بأن ذلك قد بلَّغه عند الله منزلة الفضل والشرف ، فإنَّ ذلك أمر غيب ، والأعمال بالخواتيم ، والخاتمة مجهولة ، والوقوف على المجهول مجهول ، لكنَّا إذا رأينا من أعانه الله على الخير ، ويسر له أسباب الخير رجونا له حصول تلك المنزلة عند الله تمسُّكًا بقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : إذا أراد الله بعبد خيرًا استعمله في الخير ، ووفقه لعمل صالح . وبما جاء في الشريعة من ذلك ، ومن كان كذلك : فالظَّنُّ أنه لا يخيب ، ولا يقطع على المغيب ، وإذا تقرر هذا فالمقطوع بفضله ، وأفضليته بعد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عند أهل السُّنَّة - وهو الذي يقطع به من الكتاب والسُّنَّة - أبو بكر الصِّدِّيق ، ثم عمر الفاروق ، ولم يختلف في ذلك أحدٌ من أئمة السَّلف ، ولا الخلف ، ولا مبالاة بأقوال أهل الشيع ، ولا أهل البدع ، فإنهم بين مُكفَّر تُضرب رقبته ، وبين مبتدع مُفسَّق لا تُقبل كلمته ، وتدحض حُجَّته .

وقد اختلف أئمة أهل السُّنَّة في علي وعثمان رضي الله عنهما ، فالجمهور منهم على تقديم عثمان ، وقد روي عن مالك أنه توقف في ذلك ، وروي عنه أنه رجع إلى ما عليه الجمهور ، وهو الأصح إن شاء الله ، والمسألة اجتهادية لا قطعية ، ومستندها الكلِّي أن هؤلاء الأربعة : هم الذين اختارهم الله تعالى لخلافة نبيَّه ، ولإقامة دينه ، فمراتبهم عنده بحسب ترتيبهم في الخلافة ، إلى ما ينضافُ إلى ذلك بما يشهد لكل واحدٍ منهم من شهادات النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ له بذلك تأصيلاً وتفصيلاً ، على ما يأتي إن شاء الله تعالى . وهذا الباب بحر لا يدرك قعره ، ولا يُنزف غمره ، وفيما ذكرناه كفاية ، والله الموفق للهداية . وقول أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ : نظرت إلى أقدام المشركين على رؤوسنا ونحن في الغار كان من قصته : أن المشركين اجتمعوا لقتل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فبيتوه في داره ، فأمر عليًّا فرقد على فراشه ، وقال له : إنهم لن يضروك ، فخرج عليهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهم على بابه ، فأخذ الله أبصارهم عنه ، ولم يروه ، ووضع على رأس كل واحد منهم ترابًا ، وانصرف عنهم خارجًا إلى غار ثور ، فاختفى فيه ، فأقاموا كذلك حتى أخبرهم مُخْبِرٌ أنه قد خرج عليهم ، وأنه وضع على رؤوسهم التراب ، فمدُّوا أيديهم إلى رؤوسهم فوجدوا التراب ، فدخلوا الدَّار ، فوجدوا عليًّا على الفراش ، فلم يتعرضوا له ، ثم خرجوا في كل وجه يطلبون النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويقتصون أثره بقائف كان معروفًا عندهم ، إلى أن وصلوا إلى الغار ، فوجدوه قد نسجت عليه العنكبوت من حينه ، وفرَّخت فيه الحمام بقدرة الله تعالى ، فلما رأوا ذلك قالوا : إن هذا الغار ما دخله أحدٌ ، ثم إنهم صَعِدوا إلى أعلى الغار ، فحينئذ رأى أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ أقدامهم ، فقال بلسان مقاله مفصحًا عن ضعف حاله : لو نظر أحدهم إلى قدميه أبصرنا ، فأجابه من تدلَّى فدنا بما يُذهب عنه الخوف والضَّنى بقوله : لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا أي : بالحفظ والسلامة ، والصَّون والكرامة .

ثم إن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أقام في الغار ثلاثة أيام حتى تجهَّز . ومنه هاجر إلى المدينة ، وكل ذلك من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ثقة بوعد الله تعالى ، وتوكل ، ودليل على خصوصيَّة أبي بكر من الخلَّة ، وملازمة الصُّحبة في أوقات الشدة بما لم يسبق إليه .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث