باب فضائل أبي بكر الصديق واستخلافه رضي الله عنه
( 2382 ) [ 2293] وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ : عَبْدٌ خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ زَهْرَةَ الدُّنْيَا، وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ فَاخْتَارَ مَا عِنْدَهُ فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ وَبَكَى فَقَالَ : فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا! قَالَ : فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْمُخَيَّرُ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا بِهِ . وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي مَالِهِ وَصُحْبَتِهِ أَبُو بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ لَا تُبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِدِ خَوْخَةٌ إِلَّا خَوْخَةَ أَبِي بَكْرٍ . و ( قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " عبدٌ خيَّره الله تعالى بين أن يؤتيه زهرة الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عنده " ) هذا قول فيه إبهام ، قصد به النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ اختبار أفهام أصحابه ، وكيفية تعلق قلوبهم به ، فظهر أن أبا بكر كان عنده من ذلك ما لم يكن عند أحد منهم ، ولما فهم من ذلك ما لم يفهموا بادر بقوله : " فديناك بآبائنا وأمهاتنا " ، ولذلك قالوا : " فكان أبو بكر أعلمنا " .
وهذا يدلّ من أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ على أن قلبه ممتلئ من محبة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومستغرق عنه ، وشديد الاعتناء بأموره كلِّها من أقواله وأحواله بحيث لا يشاركه أحدٌ منهم في ذلك . ولما علم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذلك منه ، وصدر منه في ذلك الوقت ذلك الفهم عنه اختصَّه بالخصوصيَّة العظمى التي لم يظفر بمثلها بشري في الأولى ولا في الآخرة . فقال : " إن أَمَنَّ الناس عليَّ في صحبته وماله أبو بكر ، ولو كنت متخذًا خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً " ، فقد تضمن ج٦ / ص٢٤١هذا الكلام : أن لأبي بكر من الفضائل ، والحقوق ما لا يشاركه فيها مخلوق .
ووزن أمَنَّ : أفعل ، من المنَّة بمعنى الامتنان ، أي : أكثر منَّة ، ومعناه : أن أبا بكر ـ رضي الله عنه ـ له من الحقوق ما لو كانت لغيره لامتن بها ، وذلك : أنه ـ رضي الله عنه ـ بادر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالتَّصديق ، والناس كلهم مكذبون ، وبنفقة الأموال العظيمة ، والناس يبخلون ، وبالملازمة والمصاحبة ، والناس ينفرون ، وهو مع ذلك بانشراح صدره ، ورسوخ علمه يعلم : أن لله ولرسوله الفضل والإحسان ، والمنة والامتنان ، لكن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بكرم خُلقه ، وجميل معاشرته اعترف بالفضل لمن صدر عنه ، وشكر الصنيعة لمن وجدت منه ، عملاً بشكر المنعم ، ليسن ، وليعلم ، وهذا مثل ما جرى له يوم حنين مع الأنصار ، حيث جمعهم فذكَّرهم بما له عليهم من المنن ، ثم اعترف لهم بما لهم من الفضل الجميل الحسن ، وقد تقدم في الزكاة . وقد
ذكر الترمذي من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " ما لأحد عندنا يد إلا وقد كافأناه عليها ما خلا أبا بكر ، فإنَّ له عندنا يدًا يكافئه الله تعالى بها يوم القيامة ، وما نفعني مال أحد كما نفعني مال أبي بكر . " ، وذكر الحديث ، وقال : هو حسن غريب.
و ( قوله : " ولو كنت متخذًا خليلاً ، لاتخذت أبا بكر خليلاً " ) متخذًا : اسم فاعل من اتَّخذ ، وهو فعل يتعدَّى إلى مفعولين ، أحدهما بحرف الجر ، فيكون ج٦ / ص٢٤٢بمعنى : اختار واصطفى ، كما قال : وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ وقد سكت هنا عن أحد مفعوليها ، وهو الذي دخل عليه حرف الجر ، فكأنه قال : لو كنت متخذًا من النَّاس خليلاً لاتخذت منهم أبا بكر . ولبسط الكلام في ذلك علم النحو ، وحاصله : أن " اتَّخذ " استعملت على ثلاثة أنحاء : أحدها : تتعدى لمفعولين بنفسها . وثانيها : تتعدى لأحدهما بحرف الجر .
وثالثها : تتعدى لمفعول واحد ، وكل ذلك موجود في القرآن . ومعنى هذا الحديث : أن أبا بكر ـ رضي الله عنه ـ كان قد تأهل لأن يتخذه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ خليلاً ، لولا المانع الذي منع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو أنه لما امتلأ قلبه بما تخلله من معرفة الله تعالى ، ومحبته ، ومراقبته ، حتى كأنه مزجت أجزاء قلبه بذلك ، لم يتسع قلبه لخليل آخر يكون كذلك فيه ، وعلى هذا فلا يكون الخليل إلا واحدًا ، ومن لم ينته إلى ذلك ممن تعلَّق القلب به فهو حبيب ، ولذلك أثبت لأبي بكر وعائشة - رضي الله عنهما - أنهما أحب الناس إليه ، ونفى عنهما الخلَّة ، وعلى هذا فالخلَّة فوق المحبة ، وقد اختلف أرباب القلوب في ذلك ، فذهب الجمهور : إلى أن الخلَّة أعلى ، تمسُّكًا بما ذكرناه ، وهو متمسَّك قوي ظاهر ، وذهب أبو بكر بن فورك إلى أن المحبة أعلى ، واستدل على ذلك : بأن الاسم الخاص بمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ : الحبيب ، وبإبراهيم : الخليل . ودرجة نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ أرفع ، فالمحبة أرفع .
وقد ذكر القاضي عياض هذه المسألة في كتاب " الشفا " ، واستوفى فيها البحث ، فلتنظر ج٦ / ص٢٤٣هناك ، وقد ذكرنا اختلاف الناس في الخلة في كتاب الإيمان .