باب فضائل سعد بن أبي وقاص
( --- ) [ 2320 ] وعنه : أَنَّهُ نَزَلَتْ فِيهِ آيَاتٌ مِنْ الْقُرْآنِ قَالَ : حَلَفَتْ أُمُّ سَعْدٍ ألَّا تُكَلِّمَهُ أَبَدًا حَتَّى يَكْفُرَ بِدِينِهِ، وَلَا تَأْكُلَ، وَلَا تَشْرَبَ قَالَتْ : زَعَمْتَ أَنَّ اللَّهَ وَصَّاكَ بِوَالِدَيْكَ وَأَنَا أُمُّكَ وَأَنَا آمُرُكَ بِهَذَا . قَالَ : مَكَثَتْ ثَلَاثًا حَتَّى غُشِيَ عَلَيْهَا مِنْ الْجَهْدِ - وفي رواية قال : فكانوا إذا أرادوا أن يطعموها شجروا فاها بعصى ثم أوجروها - فَقَامَ ابْنٌ لَهَا يُقَالُ لَهُ عُمَارَةُ فَسَقَاهَا، فَجَعَلَتْ تَدْعُو عَلَى سَعْدٍ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْقُرْآنِ هَذِهِ الْآيَةَ : وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي وَفِيهَا : فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا قَالَ : وَأَصَابَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَنِيمَةً عَظِيمَةً، فَإِذَا فِيهَا سَيْفٌ فَأَخَذْتُهُ، فَأَتَيْتُ بِهِ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ : نَفِّلْنِي هَذَا السَّيْفَ، فَأَنَا مَنْ قَدْ عَلِمْتَ حَالَهُ، فَقَالَ : رُدُّهُ مِنْ حَيْثُ أَخَذْتَهُ، فَانْطَلَقْتُ حَتَّى إِذَا أَرَدْتُ أَنْ أُلْقِيَهُ فِي الْقَبَضِ لَامَتْنِي نَفْسِي، فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ : أَعْطِنِيهِ، قَالَ فَشَدَّ لِي صَوْتَهُ : رُدُّهُ مِنْ حَيْثُ أَخَذْتَهُ، قَالَ : فَأَنْزَلَ اللَّهُ تعالى : يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قَالَ : وَمَرِضْتُ فَأَرْسَلْتُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَانِي فَقُلْتُ : دَعْنِي أَقْسِمْ مَالِي حَيْثُ شِئْتُ ، قَالَ : فَأَبَى ، قُلْتُ : فَالنِّصْفَ ! قَالَ : فَأَبَى ، قُلْتُ : فَالثُّلُثَ قَالَ : فَسَكَتَ فَكَانَ بَعْدُ الثُّلُثُ جَائِزًا . قَالَ : وَأَتَيْتُ عَلَى نَفَرٍ مِنْ الْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرِينَ، فَقَالُوا : تَعَالَ نُطْعِمْكَ وَنَسْقِكَ خَمْرًا - وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تُحَرَّمَ الْخَمْرُ - قَالَ : فَأَتَيْتُهُمْ فِي حَشٍّ - وَالْحَشُّ الْبُسْتَانُ - فَإِذَا رَأْسُ جَزُورٍ مَشْوِيٌّ عِنْدَهُمْ وَزِقٌّ مِنْ خَمْرٍ ، قَالَ : فَأَكَلْتُ وَشَرِبْتُ مَعَهُمْ ، قَالَ : فَذَكَرْتُ الْأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرونَ عِنْدَهُمْ ، فَقُلْتُ : الْمُهَاجِرُونَ خَيْرٌ مِنْ الْأَنْصَارِ، قَالَ : فَأَخَذَ رَجُلٌ أَحَدَ لَحْيَيْ الرَّأْسِ ، فَضَرَبَنِي فَجَرَحَ بِأَنْفِي - وفي رواية : ففزره ، وكان أنف سعد مفزورا - فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْتُهُ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيَّ - يَعْنِي نَفْسَهُ - شَأْنَ الْخَمْرِ : إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ج٦ / ص٢٨٢و ( قوله : " فكانوا إذا أرادوا أن يطعموها شجروا فاها بعصا ، ثم أوجروها " ) - بالشين والجيم - ، أي : فتحوا فمها ، وأدخلوا فيه العصا ، لئلا تغلقه حتى يوجروها الغذاء .
والوَجُور : - بفتح الواو - ما يُصَبُّ في وسط الفم ، واللَّدود - بفتح اللام - : ما يُصَبُّ من جانب الفم . ويقال : وجرته ، وأوجرته - ثلاثيًّا ورباعيًّا - وقد رواه بعضُهم : شحُّوا فاها - بحاء مهملة ، وواو من غير راء - وهو قريب من الأول ، أي : وسَّعوه بالفتح ، والشحو : التوسع في المشي ، والدابة الشحواء : الواسعة الخطو . ويقال : شحا فاه ، وشحا فوه - معدًى ولازمًا - ، أي : فتحه ، ووصية الله تعالى بمبرَّة الوالدين المشركين ، والإحسان إليهما وإن كانا كافرين ، وحريصين على حمل الولد على الكفر .
ويدلُّ دلالةً قاطعة على عظيم حرمة الآباء ، وتأكُد حقوقهم . و ( قوله تعالى : وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا أي : إن حاولاك على الشرك والكفر ، فلا تطعهما ، وإن بالغا في ج٦ / ص٢٨٣ذلك ، وأتعبا أنفسهما فيه ، فإن الشرك بالله تعالى باطل ليس له حقيقة فتعلم ، كما قال تعالى : أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ والقَبَضُ - بفتح الباء - : اسم لما يُقبض ، وكذلك هو هنا ، والقَبْض بسكونها : مصدر قبضت . وقد تقدم في الجهاد الكلامُ على قوله تعالى : يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ وفي الوصايا على وصية سعدِ ، وما يتعلق بها .
والْحُشُ : بستان النخل ، ويقال : بضم الحاء وفتحها ، ويُجمع على حشَّان ، وقد يُكنى بالحش عن موضع الخلاء ، لأنهم كانوا يقضون حاجتهم في البساتين . وحائش النخل : جماعة النخل . و ( قوله : " ففزره ، وكان أنفُه مفزورًا هو بتقديم الزاي مخفَّفةً ، أي : شقَّه ، ج٦ / ص٢٨٤والمفزور : المشقوق ، ولَحيُ الجمل- بفتح اللام- : هو أحَدُ فكي فمه ، وهما : لحيان ، أعلى وأسفل ، والذي يمكن أن يؤخذ ويضرب به : هو الأسفل ، وقد تقدم القولُ في قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ الآية في الأشربة .